حرب إلكترونية الجميع فيها خاسر
علاء مصلح الكايد
28-03-2026 02:27 PM
لم نبدأ بعد مراجعتنا لما تركته فينا الحرب على غزة من تشرذم وأذى غائر، حتى عادت حالة تراشق وتصنيف غير معقولة على الصفحات الزرقاء، من تنابز وتبادل اتهامات وصلت إقصائيتها حدّ إخراج فئات من قوائم الوطنية، وإضافة أُخرى إلى قوائم أعداء الوطن.
إستُحضر التاريخ الحقيقي والمحرَّف، وتصدّرت التأويلات والفبركات، وأُحيي كل ما هو سيئ الوصف، وغابت الحكمة.
لطالما استعجبت من أخبار تفيد بحجب دول لخدمة الإنترنت خلال الأزمات؛ ولكن تبددت أسباب تعجّبي في ظل ما نقرأ ونسمع داخليا، فدرء المفاسد مُقدَّمٌ على جلب المصالح، ولا ألوم تلك الدّول حينما تسعى إلى سدّ أبواب الفتنة في الملمّات، وحماية المجتمعات من التشرذم في الأزمات! فالضّرر الأشدّ يُدفَع بالضّرر الأخفّ.
فمن يتابع أطنان المنشورات والتعليقات وكمّ الوجوه الضاحكة المستهزئة بما يصدر عن الجهات الرسمية أو يُعزى لها من قول أو فعل يخصّ موقفنا من الحرب سيصل إلى قناعةبأن السواد الأعظم من الشعب لا يثق بدولته، ولا يصدق روايتها، بعكس ما يشهد لنا فيه القاصي والداني من تماسك وثبات وصمود، دولاً وشعوبا.
هذا خلل كبير يتجاوز مسألة حرية الرأي والتعبير المكفولتان دستوريا، لا بل يفتّ في عضد الوطن ويجرح مؤسساته ومرتكزاته ويشظّي المجتمع بصورة متواترة لا نبالغ إذا ما قلنا أنها تزيد طرديا في كل دقيقة تمرّ ومع كل خبر صادر أو مُتناقل.
علاج المسألة ليس قانونيا فقط، بل سياسيٌّ تأهيليٌّ تنظيميّ، فما تعكسه تلك الصفحات لا يتناسب بأي شكل مع لقب استحققناه بجدارة وهو (بلد النشامى)، فأي متابع خارجيّ سيظنّ بأننا نعيش انقساماً وتصدعا رهيبا جرّاء تلك الاصطفافات، رغم أننا في الواقع عكس ذلك.
ربما أن هناك ثلاثة عوامل متكررة في الأوضاع الطبيعية وكذلك الأزمات، فالرواية الحكومية عموديّة ليست حواريّة أفقية، والغالبية الصامتة تترك الفراغ لتتصدر الرواية المضادة سواء كانت عشوائية أو منظمة، والساحة الإعلامية تعاني من ضعف التنظيم والدخلاء ونقص سبل التواصل المستمر بينها وبين الجهات الرسمية خاصة التي تتولى متابعتها قانونيا وتنظيميا في الغالب.
وعليه فإن صورتنا الافتراضية العامة سوداء قاتمة انهزامية الروح ضعيفة التماسك مفقودة الثقة.
وهنا يحضر السؤال الصعب، سواء انتهت هذه الحرب قريبا أو امتدت؛ ففي ظل جنون حكومة الاحتلال التي تسعى بكلّ ما أوتيت من قوة لمواصلة تصفية القضية الفلسطينية ومتابعة الهروب إلى الأمام في عدة جبهات، ماذا لو - لا قدر الله- باشروا بتنفيذ مخططهم بالتهجير نحو المملكة؟ و/أو تعرضت المقدسات الإسلامية والمسيحية للاعتداء التخريبي؟ كيف ستكون ساحتنا الداخلية امام تلك السيناريوهات؟ هل سنكون على قلب رجل واحد؟ الظاهر يقول عكس ذلك، بل إنه سيكون مرعبا من حيث الممارسة والأثر.
لنعترف أن لدينا وهنٌ افتراضيٌّ كبيرٌ لا يشبهنا، وتشرذمٌ قد يهدم وحدة صفنا ويخدم المتربصين بنا.
إن المساحة التعبيرية بحاجة لمعاينة جادة، وتقاربا حواريا من دوائر صناعة القرار بما فيها السلطة التشريعية، مع كل الفئات الفاعلة، الإعلام بأشكاله المختلفة، الاحزاب، النقابات المهنية، المؤثرون على الأرض في البعد الاجتماعي.
لقد أوعز سمو ولي العهد منذ أيام للحكام الإداريين بضرورة التواصل المباشر مع المواطنين ميدانيا، وهذا دليل دامغ على أهمية وضرورة كسر الحواجز بين المواطن والمسؤول، وهي مسألة أشرنا إليها مرارا وتكرارا، بأن الخلل في التواصل لا بالإتصال.
فأثر الحوار والتواصل المباشر هو الأكبر والأهم والأكثر إنتاجية، وسينعكس بالضرورة على الروح العامة وثقة المواطن بالدولة وروايتها.
والله من وراء القصد.