facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين تتحول "الرؤية" إلى "قرار" .. هكذا تُدار الصحة العامة


فيصل تايه
29-03-2026 09:31 AM

في مشهد يومي يتكرر داخل مستشفى البشير، حيث الاكتظاظ يضغط على أقسام الطوارئ، والممرات تمتلئ بمرضى ينتظرون لساعات، لا تبدو المشكلة في عدد المراجعين بقدر ما تكمن في كيفية إدارة تدفقهم داخل النظام الصحي ، فهناك، في قلب هذا الواقع، لا تكفي التقارير، ولا تعود الأرقام وحدها قادرة على تفسير ما يحدث، فالتفاصيل التي تُرى بالعين تختلف كثيراً عمّا يُكتب على الورق.

ذلك المشهد لم يكن مجرد صورة عابرة، بل كان كفيلاً بطرح سؤال جوهري: هل الخلل في الإمكانيات، أم في طريقة توظيفها؟

في هذا السياق تحديداً، لا يُقاس نجاح المسؤول بما يُعلن، بل بما يُغير فعلياً على الأرض ، وما نشهده اليوم في وزارة الصحة يتجاوز حدود القرارات الإدارية المعتادة، ليصل إلى مستوى مختلف من الفعل الحكومي، حيث تتحول الرؤية إلى ممارسة، والملاحظة إلى قرار، والقرار إلى أثر مباشر يلمسه المواطن في يومه قبل أي تقرير رسمي.

ما يجرى اليوم في التعامل مع واقع الضغط على مستشفى البشير لا يكون مجرد استجابة ظرفية، بل قراءة واعية لخلل متراكم في توزيع الخدمة الصحية، ظل لسنوات يُدار كأمر واقع ، فآلاف المراجعين يومياً، ونسبة كبيرة منهم لا تحتاج إلى أقسام الطوارئ، ومع ذلك تستنزف وقتها ومواردها، في مشهدٍ يعكس فجوة واضحة بين الحاجة الفعلية وآلية تقديم الخدمة ، فهنا تحديداً يظهر الفارق بين من يكتفي بوصف المشكلة، ومن يمتلك الجرأة لإعادة هندسة الحل.

قرار تفعيل الدوام المسائي في المراكز الصحية المحيطة لم يكن تفصيلاً تنظيمياً، بل خطوة تعيد توجيه مسار المريض داخل النظام الصحي، بحيث تُقدم الخدمة في المكان الأنسب، وبالسرعة والكفاءة المطلوبتين ، هذا النوع من القرارات لا يخفف الضغط فحسب، بل يعيد الاعتبار لفكرة الرعاية الصحية الأولية بوصفها خط الدفاع الأول، ويمنح المستشفيات القدرة على أداء دورها الحقيقي في التعامل مع الحالات الحرجة، بدلاً من أن تتحول إلى نقطة ازدحام مفتوحة لكل الحالات.

الأهم من ذلك أن هذا القرار لم يأتِ معزولاً، بل جاء مستندا لقرارات درست واقع الخدمة بكل مسؤولية استجابة للضرورة الفعلية ، وامتداداً لعمل ميداني سبقه، شمل مراجعة واقع المراكز الصحية نفسها، وتشخيص أوجه القصور فيها، والبدء فعلياً بمعالجتها ، كان اهمها اتخاذ خطوات عاجلة للتعامل مع الحالات الحرجة مثل الجلطات حماية لحياة المواطنين

ويظهر بوضوح اننا هنا أمام نهج متكامل، لا يتعامل مع النتائج فقط، بل يعود إلى الجذور : بيئة الخدمة، جاهزية المراكز، كفاءة التوزيع، وقدرة النظام على استيعاب المراجعين بمرونة ، وهذه هي النقطة التي تتحول فيها الإدارة من ردّ فعل إلى فعل مؤسسي واعٍ.

كما اننا وفي جوهر هذا التحرك، هناك فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن المواطن ليس رقماً في قائمة انتظار، بل هو معيار النجاح الحقيقي لأي سياسة صحية ، فعندما تُفتح المراكز في ساعات يحتاجها الناس فعلاً، وعندما تتوفر فيها الخدمات الأساسية والأدوية، وعندما يجد المراجع بديلاً حقيقياً عن الانتظار الطويل في الطوارئ، فإننا لا نحسّن الخدمة فقط، بل نعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، وهي مسألة لا تقل أهمية عن أي إنجاز فني أو إداري.

ما يقوم به وزير الصحة اليوم يقدّم نموذجاً مختلفاً في إدارة الملف العام، نموذج يقوم على الحضور في الميدان، والإنصات للواقع، واتخاذ القرار دون تردد، ثم متابعته حتى يتحول إلى نتيجة ، وهذا تحديداً ما تحتاجه مؤسسات الدولة في هذه المرحلة: مسؤول لا يكتفي بإدارة الورق، بل يدير الواقع، ولا يكتفي بالتخطيط، بل يضمن التنفيذ.

إن أهمية هذه الخطوات لا تكمن فقط في نتائجها المباشرة، بل في الرسالة التي تحملها: أن الإصلاح ممكن عندما تتوفر الإرادة، وأن الإدارة القادرة على رؤية الخلل بوضوح، قادرة أيضاً على معالجته بجرأة ، وفي ظل حاجة القطاع العام إلى نماذج عملية تعيد الاعتبار لفكرة الخدمة، فإن ما نشهده اليوم في وزارة الصحة يستحق أن يُقرأ بعناية، لا كخبر عابر، بل كمسار قابل للتعميم.

في النهاية، لا يبحث المواطن عن وصفٍ دقيق لمشكلته، بل عن حل يختصر عليه الوقت، ويحفظ كرامته، ويمنحه شعوراً بأن هناك من يعمل لأجله فعلاً ، وعندما تبدأ هذه المعادلة بالتحقق، فإننا لا نكون أمام قرار ناجح فقط، بل أمام تجربة تستحق أن تُبنى عليها خطوات أكبر في مسيرة إصلاح الإدارة العامة.

والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :