هل نقرأ ما يحدث… أم ننتظر نتائجه؟
أسامة ابو طالب
29-03-2026 04:40 PM
في العادة، نقرأ ما يحدث في الإقليم كأزمات متفرقة: توترات، حروب، اضطرابات، وارتفاع في الكلف… ونكتفي بوصفها بأنها “ظروف صعبة”.
لكن القراءة الأعمق تقول شيئاً مختلفاً تماماً:
ما يجري ليس أزمة… بل إعادة ترتيب.
إعادة ترتيب بطيئة، صامتة، لكنها حاسمة، ليست في السياسة فقط… بل في الاقتصاد، وليست في الاقتصاد فقط… بل في الجغرافيا نفسها.
المنطقة اليوم تشهد ما يمكن وصفه بثورة هادئة في اللوجستيات. ممرات جديدة تُرسم، وموانئ تُوسّع، وشبكات نقل تُربط، ومراكز توزيع تُعاد هندستها من جديد.
ليس تحت عنوان واحد، ولا ضمن إعلان رسمي جامع، بل عبر خطوات متفرقة… لكنها تصب في اتجاه واحد: إعادة تعريف من هو المركز… ومن هو الهامش.
من ينظر جيداً، سيرى أن الحديث لم يعد فقط عن نقل بضائع، بل عن نقل النفوذ الاقتصادي. هناك محاور تتشكل من الخليج إلى البحر، ومن الشرق إلى المتوسط، ومن الموانئ إلى الداخل، في شبكة تتجاوز الحدود التقليدية، وتُبنى بعقلية سلاسل الإمداد لا خرائط السياسة.
قد تُذكر أحياناً تحت عناوين مثل “الممرات الاقتصادية”، أو “الربط الإقليمي”، أو “التكامل اللوجستي”… لكن جوهرها واحد:
من يسيطر على الحركة… يسيطر على القيمة.
لكن ما يجب أن يُفهم بوضوح، أن ما يجري لا يتعلق فقط باللوجستيات كقطاع، بل بمحركات الاقتصاد الأساسية: التجارة، الطاقة، التصنيع، وسلاسل القيمة.
فاللوجستيات لم تعد مجرد خدمة مساندة، بل أصبحت أداة لإعادة توزيع القيمة الاقتصادية. الموانئ لم تعد تستقبل البضائع فقط، بل تحدد أين تُخزَّن، وأين تُصنَّع، وأين يُعاد تصديرها. والممرات لم تعد تختصر المسافة، بل تعيد توجيه الاستثمار، وتخلق مراكز جديدة للنمو.
وفي هذا السياق، لا يكفي أن يكون الأردن ممراً آمناً، بل يجب أن يتحول إلى نقطة تجميع وتوزيع وإضافة قيمة. فالفارق كبير بين دولة تُمرَّر من خلالها البضائع… ودولة تُبنى حولها سلاسل أعمال.
وهنا… يقف الأردن.
ليس على الهامش جغرافياً، بل في موقع يكاد يكون مثالياً. لكن السؤال لم يعد: أين يقع الأردن؟ بل أصبح: هل تموضع الأردن فعلياً داخل هذه التحولات؟
نحن نمتلك ما لا يمكن تعويضه بسهولة: موقع يتقاطع مع أكثر من مسار، بوابة بحرية في العقبة، واستقرار نسبي في بيئة مضطربة.
لكن في عالم يُعاد تشكيله بسرعة، الميزة التي لا تُستخدم… تُفقد.
العقبة اليوم يمكن أن تكون أكثر من ميناء؛ يمكن أن تكون عقدة في شبكة، نقطة التقاء القارات، ونقطة ارتكاز في مسار، ومركز توزيع في منظومة أكبر.
لكن هذا لن يحدث بالشعارات، ولا بالترويج، ولا حتى بالحوافز التقليدية.
هذا يحتاج إلى شيء واحد واضح: قرار بالتموضع.
قرار بأن الأردن ليس مجرد ممر، بل جزء من المعادلة. ليس محطة عبور، بل نقطة تثبيت.
في المقابل، هناك من لا ينتظر. هناك من يبني شبكات، ويعقد شراكات، ويقدّم نفسه كخيار جاهز… لا كفكرة قيد الدراسة.
وفي سباق كهذا، التأخر لا يعني أنك ستصل متأخراً… بل يعني أنك قد لا تُدعى أصلاً.
ما يجعل الصورة أكثر حساسية، أن هذه التحولات لا تُعلن بوضوح، ولا تُطرح للنقاش العام، بل تتشكل بهدوء… ثم تُفرض كواقع.
وعندما تكتمل، لن يكون السؤال: لماذا لم نشارك؟ بل: لماذا لم ننتبه؟
نحن اليوم أمام لحظة نادرة:
إما أن نقرأ ما يجري بعمق، ونعيد تعريف دورنا، ونحجز مكاننا داخل هذه الشبكة الجديدة…
أو نكتفي بالمراقبة، ونستمر في التعامل مع النتائج، لا مع الأسباب.
لأن العالم لا ينتظر أحداً، والجغرافيا لم تعد ثابتة كما نظن… بل تُكتب من جديد، بأيدٍ تعرف ماذا تفعل.
وفي هذا النوع من التحولات، لا يوجد متفرجون… فإما أن تكون على الطاولة… أو تكون جزءاً مما يُعاد توزيعه عليها.
* عضو غرفة تجارة العقبة
الرأي