facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




باصرة


د. محمود الشغنوبي
29-03-2026 05:00 PM

تُعرف لعبة “الباصرة” بأنها لعبة صيدٍ ذكية، لا يكفي فيها أن تحمل الورق، بل أن تعرف متى تلتقطه من الأرض، ومتى تتركه لخصمٍ أكثر طمعاً أو أقل حظاً. هي لعبة حساب، لكن أيضاً لعبة أعصاب، فيها من السياسة أكثر مما فيها من التسلية، وربما لهذا السبب تصلح أن تكون نموذجاً مصغّراً لما يجري في هذا الشرق الذي تحوّل إلى طاولة لعب مفتوحة، يجلس حولها لاعبون محترفون بوجوهٍ عابسة، وشعوبٌ تُستخدم كأوراقٍ مرمية على الأرض.

في زاوية الطاولة، يجلس نظام يرفع راية الأمن المطلق، ويُتقن فن “الباصرة” إلى حد الهوس، لا يترك ورقة إلا ويبحث لها عن تطابقٍ مع خوفٍ قديم أو تهديدٍ محتمل، يلتقط الأرض وما عليها بحجة أنه الأحق باللعب، وأن كل ورقة لا تحمل ختمه هي خطرٌ وجودي يجب مصادرته فوراً. وفي الزاوية المقابلة، يجلس نظام آخر، يرفع راية المقاومة المطلقة، ويُتقن اللعبة ذاتها ولكن بلغةٍ مختلفة، فهو لا يلتقط الأوراق فقط، بل يوزّعها أيضاً، يزرعها في كل زاوية، ثم يعود ليصطادها على مهل، وكأن الأرض كلها جزءٌ من يده.

المفارقة الساخرة أن اللاعبين يبدوان وكأنهما على طرفي نقيض، أحدهما يتحدث باسم “الديمقراطية” والآخر باسم “الإيمان”، لكن كليهما يتقن ذات الحركة: مدّ اليد إلى الأرض، جمع الأوراق، ثم إعلان النصر حتى لو كانت الطاولة فارغة من أي عدالة. الأول يقول: هذه أوراقي لأنها سقطت في نطاق رؤيتي، والثاني يقول: هذه أوراقي لأنها سقطت في نطاق عقيدتي، وبين الرؤية والعقيدة تضيع القواعد البسيطة للعبة، تلك التي تعلّمها الأطفال: أن الأرض ليست ملكاً لأحد.

في “الباصرة” الحقيقية، هناك لحظة صمتٍ قبل الالتقاط، لحظة حسابٍ دقيق، أما في نسختنا السياسية، فالصمت مفقود، والضجيج هو القاعدة، كل لاعب يصرخ معلناً أنه الضحية حتى وهو يلتقط آخر ورقة من يد خصمه، وكل لاعب يدّعي أنه يلعب دفاعاً عن نفسه، بينما يمدّ ذراعه أبعد مما تسمح به الطاولة. حتى الورقة التي لا تطابق شيئاً، يتم اختراع سببٍ لالتقاطها، مرةً باسم التاريخ، ومرةً باسم السماء، ومرةً باسم الخوف من الغد.

والأجمل في هذه اللعبة أن الحكم غائب، أو ربما يجلس في الخلف مبتسماً، يدوّن النقاط بطريقةٍ لا يفهمها أحد، ويمنح الأفضلية لمن يجيد الصراخ أكثر، أو لمن يملك أوراقاً لامعة حتى لو كانت مزوّرة. أما اللاعب الصغير، ذاك الذي يجلس على الطرف ويحاول أن يلعب وفق القواعد، فيُطلب منه دائماً أن ينتظر، أن يصبر، أن يبتسم، لأن دوره سيأتي… لكنه لا يأتي أبداً.

وفي النهاية، لا أحد يسأل عن اللعبة نفسها، هل ما زالت “باصرة” أم تحوّلت إلى شيءٍ آخر؟ هل ما زالت قائمة على الذكاء أم أصبحت قائمة على القدرة على قلب الطاولة؟ كلا النظامين يبدوان وكأنهما لا يلعبان للفوز فقط، بل لإلغاء فكرة أن هناك لعبة أصلاً، أن هناك قواعد يمكن العودة إليها، أن هناك أرضاً يمكن أن تبقى مشتركة.

وهكذا، بينما ينشغل اللاعبان الكبيران بجمع الأوراق، تبقى الطاولة مليئة بآثار الأيدي الثقيلة، وتبقى الشعوب كأوراقٍ مهملة، تُلتقط حيناً وتُرمى حيناً آخر، لا لأنها لا تملك قيمة، بل لأنها لا تملك من يعلن قيمتها في الوقت المناسب.

وفي لعبة كهذه، لا يفوز من يجمع أكثر، بل من يقنع الجميع أن ما جمعه كان حقاً له منذ البداية، حتى لو كانت الأوراق قد سقطت من يد التاريخ نفسه.

وهنا فقط، حين يظن الجميع أن اللعبة انتهت، يكتشفون أن اللاعبين ما كانا خصمين كما بدا، بل شريكين يتناوبان على الأرض ذاتها…
إيران الملالي ونظام الكيان… باصِرة.

وسلامتكم.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :