"يوم الأرض" .. اختبار العدالة في زمن الاضطراب
فيصل تايه
30-03-2026 08:48 AM
في الثلاثين من آذار، لا يحيي الفلسطينيون ذكرى عابرة، بل يستحضرون سؤالاً وجودياً يتجدد مع كل عام : كيف يمكن لأرض أن تبقى حيّة في الوعي، رغم كل محاولات الطمس؟ ففي ذكرى يوم الأرض، لا يكون الحديث عن الماضي بقدر ما هو مواجهة مفتوحة مع الحاضر، واستشراف لما قد يحمله المستقبل.
قبل نحو نصف قرن، لم تكن أحداث يوم الأرض مجرد احتجاج على مصادرة أراض ، بل لحظة وعي جماعي أعادت تعريف العلاقة بين الفلسطيني وأرضه ، فكانت تلك المواجهة إعلاناً واضحاً بأن الأرض ليست بنداً تفاوضياً، بل جوهر الوجود ومعناه، وأن التفريط بها ليس خياراً مهما تبدلت الظروف.
اليوم، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من أي وقت مضى ، فالحرب التي شهدها قطاع غزة قد توقفت عسكرياً، لكنها لم تنته فعلياً في حياة الناس ، فما تزال آثارها حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية: أحياء مدمّرة، عائلات تبحث عن الاستقرار، واقتصاد مثقل بالخسائر، وذاكرة جماعية تحمل صوراً يصعب تجاوزها ، وهنا، لا يمكن الحديث عن “مرحلة ما بعد الحرب” بوصفها نهاية، بل باعتبارها بداية لواقع أكثر قسوة وتعقيداً .
وفي موازاة ذلك، تعيش المنطقة على إيقاع توترات متصاعدة، بما في ذلك المواجهات المرتبطة بإيران، والتي تضيف طبقة جديدة من عدم الاستقرار إلى مشهد إقليمي مضطرب أصلًا ، فهذا التشابك في الأزمات لا يعيد فقط تشكيل أولويات القوى الكبرى، بل يدفع بالقضية الفلسطينية أحياناً إلى الهامش، رغم أنها تبقى في صميم أي معادلة حقيقية للاستقرار.
ومع ذلك، لم تغب القضية الفلسطينية، لأنها ببساطة ليست ملفاً سياسياً عابراً يمكن تجاوزه، بل قضية متجذرة في التاريخ والوعي والواقع ، فقد أثبت الفلسطيني، عبر عقود طويلة، أن العلاقة مع الأرض ليست ظرفية، بل علاقة وجود، تتجدد مع كل جيل، وتزداد رسوخاً كلما اشتدت التحديات.
وفي هذا السياق، يبرز الدور الأردني بوصفه ركيزة اتزان في مقاربة القضية الفلسطينية، حيث يجمع بين الثبات في الموقف، والمرونة في التحرك السياسي والدبلوماسي ، فالأردن، بحكم موقعه وتاريخه، لم ينفصل يوماً عن هذه القضية، بل ظل حاضراً في الدفاع عنها، سواء عبر مواقفه السياسية، أو من خلال جهوده المستمرة في المحافل الدولية، إلى جانب دوره التاريخي في رعاية المقدسات في القدس ، وفي ظل هذا الدور، يواصل الأردن الدفع باتجاه إبقاء القضية الفلسطينية في صلب الاهتمام الدولي، رافضاً تهميشها أو اختزالها ضمن أزمات الإقليم المتلاحقة.
أما على المستوى الدولي، فإن التحدي لم يعد يقتصر على إدارة الأزمات، بل يمتد إلى القدرة على الوقاية منها قبل أن تنفجر ، غير أن الواقع يشير إلى فجوة واضحة بين الإمكانات المتاحة والإرادة السياسية المطلوبة، حيث تستمر الأزمات في التفاقم دون حلول جذرية ، وفي هذا الإطار، تظل القضية الفلسطينية اختباراً حقيقياً لمدى جدية النظام الدولي في تحقيق العدالة، وليس فقط احتواء التوترات أو تأجيلها.
لقد أثبتت التجارب أن تغييب القضايا العادلة لا يلغيها، بل يعمّقها ، فالأرض التي كانت محور المواجهة في عام ١٩٧٦، لا تزال حتى اليوم في قلب الصراع، وإن تغيّرت الأدوات وتبدلت السياقات ، وما بين الماضي والحاضر، يظل الثابت الأبرز هو إصرار الفلسطيني على البقاء، لا كشعار عاطفي، بل كحقيقة يومية تتجسد في تفاصيل الحياة.
في يوم الأرض، لا يقف الفلسطيني عند حدود التذكر، بل يحول الذاكرة إلى موقف، والتاريخ إلى وعي، والواقع إلى فعل مستمر ، إنها لحظة تتقاطع فيها التجربة الإنسانية مع المعنى السياسي، لتعيد التأكيد أن ما يبدو مؤجلاً في ميزان القوى، يظل ثابتاً في ميزان الحق.
في عالمٍ يعيد ترتيب أولوياته تحت ضغط الأزمات، تبقى الحقيقة الفلسطينية حاضرة، لا لأنها الأقوى صوتاً، بل لأنها الأعمق جذوراً ، فالأرض التي صمدت في الوعي، لا يمكن أن تسقط في الواقع، والشعب الذي أعاد تعريف بقائه مراراً، لن يفقد قدرته على الاستمرار.
فبين ذاكرة لا تموت، وإقليم لا يهدأ، تبقى الخلاصة أكثر وضوحًا من أي وقت مضى:
أن الأرض، في الوعي الفلسطيني قدر ، وأن ما يُؤخذ بالقوة، قد يُنازع عليه الزمن، لكنه لا يُمحى من الذاكرة ولا يسقط من التاريخ.