الكهرباء وسيناريوهات انعكاس الكلف على التعرفة
م. عبدالفتاح الدرادكة
30-03-2026 01:43 PM
في ظل التصعيد الإقليمي المرتبط بالحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، تتزايد تساؤلات المواطنين حول انعكاسات هذه التطورات على الاقتصاد الوطني، ولا سيما قطاع الكهرباء. ورغم ضبابية المشهد السياسي وصعوبة التنبؤ بمآ سيؤول الي الصراع، إلا أن القراءة الاقتصادية والفنية للواقع المحلي تشير إلى قدر ملحوظ من الاستقرار والقدرة على التكيف، ما يحدّ من مبررات القلق أو المبالغة في ردود الفعل.
يُدار قطاع الكهرباء في الأردن وفق أسس تشغيلية واقتصادية تأخذ بعين الاعتبار مختلف السيناريوهات، سواء كانت اعتيادية أو استثنائية. وقد أكدت الحكومة، على لسان وزير الطاقة، عدم وجود نية لرفع التعرفة الكهربائية خلال الفترة الحالية، وهو ما يعزز حالة الطمأنينة لدى المواطنين.
ورغم أن القرارات المستقبلية تبقى مرهونة بالمعطيات، إلا أنها تعتمد على تقييم مستمر لعوامل رئيسية، تشمل أسعار الوقود العالمية، وكلف التوليد، ومستويات الطلب على الطاقة. كما تؤخذ بعين الاعتبار متغيرات مثل أسعار النفط والغاز، وامتداد انقطاع إمدادات الغاز عبر الأنابيب، والظروف الجوية التي تؤثر على حجم الأحمال الكهربائية. فقد شهدت الأحمال خلال الفترة الحالية ارتفاعًا تجاوز 30%، رغم أننا في فصل الربيع الذي تنخفض فيه الأحمال عادةً بأكثر من 40%، ويُعزى ذلك إلى استمرار الأجواء الباردة وزيادة الاعتماد على وسائل التدفئة.
وبما أن الأحمال المنزلية تشكل نحو 48% من إجمالي الاستهلاك، مقابل أقل من 30% للقطاعات الصناعية والتجارية، فإن التغيرات المناخية تؤثر بشكل مباشر في الطلب على الكهرباء وكلف النظام.
تعتمد التعرفة الكهربائية في الأردن على نظام الشرائح والقطاعات، بما يحقق توازنًا بين تغطية الكلف وحماية المستهلك، إضافة إلى وجود دعم بيني بين مختلف الفئات. لذلك، من غير المتوقع إجراء تعديل مباشر على التعرفة الأساسية.
في المقابل، تتضمن الفاتورة بندًا يُعرف بـ”فرق أسعار الوقود”، والذي تبلغ قيمته حاليًا صفر، وهو أداة تنظيمية يمكن تفعيلها عند ارتفاع أسعار الوقود، خاصة الغاز المسال المرتبط بأسعار خام برنت. وباحتساب سعر 50 دولار لبرميل برنت كسعر تعادل لايحقق خسارة للنظام الكهربائي ، فإن أي ارتفاع فوق هذا المستوى قد ينعكس تدريجيًا على التعرفة بمعدل فلس واحد لكل دولار. وعليه، إذا بلغ سعر برنت 100 دولار، فقد يصل فرق أسعار الوقود إلى نحو 50 فلسًا لكل كيلو واط ساعة ، وهو ما يعكس الفارق بين سعر السوق وسعر التعادل.
وللتذكير، كانت نقطة التعادل لشركة الكهرباء الوطنية بحدود 55 دولارًا للبرميل في عام 2017، وأي ارتفاع فوق هذا المستوى كان ينعكس على الكلف. فعلى سبيل المثال، عند وصول الأسعار إلى 75 دولارًا، تم تطبيق نحو 22 فلسا لكل كيلو واط ساعة كفرق أسعار وقود. ومع الظروف الحالية، قد يُعاد تفعيل هذا البند بشكل مؤقت ومدروس، دون المساس بالتعرفة الأساسية.
وتُعد البنية التحتية للطاقة في الأردن عنصر قوة رئيسيًا، خاصة في ميناء العقبة الذي يشكل شريانًا حيويًا لاستيراد الغاز الطبيعي المسال والوقود. وقد أثبتت سلاسل التوريد مرونتها حتى في ظل الأزمات، حيث تشير المعطيات إلى أن حركة الاستيراد، بما في ذلك عدد البواخر والحاويات، لم تتأثر سلبًا، بل سجلت زيادة مقارنة بالعام الماضي، ما يعكس استقرار الإمدادات وثقة في البيئة التشغيلية.
ورغم التحديات الإقليمية الراهنة، يمتلك الأردن من الإمكانات ما يؤهله للحفاظ على استقرار قطاع الكهرباء. كما أن الوعي المجتمعي والتعاون بين مختلف الأطراف يشكلان عاملًا حاسمًا في تجاوز هذه المرحلة بأقل الأضرار الممكنة.
وفي هذا السياق، يمكن التأكيد أن النظام الكهربائي الأردني يعمل بكفاءة وموثوقية كما هو الحال في تواصل سلاسل التوريد وبدون انقطاع ، ولا توجد مؤشرات على أزمة وشيكة. وعليه، فإن بعض السلوكيات مثل شراء المولدات وكميات من الشمع والمحروقات و تخزين المواد أو سحب الأموال من البنوك لا تستند إلى أسس واقعية، وقد تُلحق ضررًا بالاقتصاد الوطني.
ختامًا، لا تقتصر المسؤولية على الجهات الرسمية، بل تشمل المواطنين أيضًا. فترشيد استهلاك الكهرباء، خاصة خلال أوقات الذروة، يُعد سلوكًا ضروريًا يساهم في تقليل الضغط على النظام وخفض الكلف. كما أن الاستفادة من فترات توفر الطاقة المتجددة خلال ساعات النهار تعزز كفاءة الاستخدام وتقلل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية. والله من وراء القصد.