facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الأردن على أعتاب نقلة نوعية في الإدارة العامة


د.عبدالله القضاة
30-03-2026 03:18 PM

لم يعد التحول الرقمي في مفهوم الدول الحديثة ترفاً تكنولوجياً، ولا يُقاس بعدد التطبيقات الحكومية أو المنصات الإلكترونية المتاحة؛ بل بات يُقاس بمدى قدرة الدولة على امتلاك بيانات دقيقة، مترابطة، وقابلة للتوظيف في صناعة القرار. في هذا السياق الدقيق، تكتسب تصريحات سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، أهمية استراتيجية بالغة، حين وضع يده على الجرح الإداري مؤكداً ضرورة رصد وجمع البيانات الحكومية بكفاءة، وإدارتها عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، كرافعة أساسية لتحسين الأداء المؤسسي، وتسهيل حياة المواطنين، ودفع عجلة التنمية.

هذه الرؤية الهاشمية الشابة لا يمكن قراءتها كطرح تقني عابر، بل هي إعلان صريح عن إعادة هندسة دور الدولة الأردنية في عصر الاقتصاد الرقمي. نحن اليوم أمام استحقاق الانتقال من نموذج "الحكومة التي تقدم خدمات" إلى نموذج "الحكومة التي تُدار بالبيانات"؛ ومن بيروقراطية الإجراءات المعقدة، إلى منظومة رشيقة تعتمد على المعرفة، والتحليل، والتنبؤ الاستباقي.

إن جوهر هذا التوجه يكمن في إدراك أن البيانات أصبحت "النفط الجديد" والمورد الاستراتيجي الأهم للدولة. فالدولة التي تمتلك قاعدة بيانات دقيقة ومُحدّثة، تمتلك بالضرورة بوصلة واضحة لاتخاذ قرارات كفؤة، وتوجيه مواردها بدقة متناهية، واستباق الأزمات قبل وقوعها. وفي المقابل، فإن تشتت البيانات أو ضعف جودتها، يترجم حتماً إلى قرارات هشة، وهدر في المال العام، وتراجع في ثقة المواطن.

من هنا، يجب ألا يُختزل الحديث عن إدخال الذكاء الاصطناعي للعمل الحكومي في مجرد شراء خوادم أو برمجيات، بل يجب أن يُفهم كمنظومة متكاملة تبدأ من "تنظيف" وحوكمة البيانات. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تطور، يبقى أسيراً لنوعية البيانات التي يتغذى عليها، وفق القاعدة الذهبية: "بيانات مشوهة تعني مخرجات مشوهة".

وعلى تماس مباشر مع حياة المواطن، فإن الأثر الحقيقي لهذا التحول يجب أن يُرى ويُلمس. المواطن اليوم لا تبهره كثرة الأنظمة الرقمية، بل يعنيه تقليص زمن الخدمة، وإلغاء الطوابير، وخفض الكلف. وهنا تكمن قوة الرؤية التي يطرحها ولي العهد؛ فربط البيانات الحكومية يمهد الطريق لتقديم "خدمات استباقية"، وينهي معاناة المواطن في إثبات ما هو مثبت أصلاً لدى دوائر الدولة. إنها باختصار، نقلة نوعية من "حكومة يراجعها المواطن" إلى "حكومة تصل إليه".

على الصعيد الاقتصادي، تفتح هذه الرؤية آفاقاً رحبة لتعزيز تنافسية الأردن. فإدارة البيانات بكفاءة هي حجر الزاوية لتحسين بيئة الاستثمار، وتوجيه شبكات الأمان الاجتماعي لمستحقيها الفعليين، وتحفيز طاقات الشباب الأردني المبدع في قطاعات الريادة والابتكار. فالاقتصاد الحديث لم يعد يرتكز على رأس المال التقليدي فحسب، بل على القدرة على استنطاق البيانات وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مضافة.

غير أن ترجمة هذه الرؤية الطموحة إلى واقع ملموس، تتطلب عبوراً حازماً من مربع التنظير إلى حيز التنفيذ المنهجي. المطلوب اليوم وبشكل عاجل، بناء منظومة وطنية سيادية للبيانات، تقوم على توحيد السجلات وربطها، وإقرار إطار صارم لحوكمة البيانات يضمن أمنها وخصوصيتها. ويتوازى ذلك مع ضرورة إعادة هندسة العمليات وتبسيط الإجراءات الحكومية قبل رقمنتها، والاستثمار الجاد في تأهيل الكوادر البشرية لقيادة هذا التحول.

ولا يكتمل هذا المسار دون إرساء مؤشرات أداء حقيقية تقيس الأثر الفعلي على الأرض، وتجاوز التحديات الثقافية والمؤسسية التي تقاوم التغيير داخل الجهاز الإداري.

في المحصلة، ما طرحه سمو ولي العهد ليس مجرد تحديث إداري، بل هو خارطة طريق سيادية لبناء أردن المستقبل؛ دولة أكثر كفاءة، وشفافية، وقدرة على التكيف. ولعل الرسالة الأعمق في هذا التوجه الاستراتيجي يمكن تلخيصها في حقيقة واحدة: "الدولة التي لا تدير بياناتها بكفاءة اليوم، لن تمتلك القدرة على إدارة مستقبلها غداً"

* أمين عام سابق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :