حيرة الموقف بين اسرائيل وايران
د. رجائي المعشر
31-03-2026 01:26 AM
يُخالجني شعورٌ عميقٌ بالارتباك والحيرة وأنا أتابع الحرب الدائرة في منطقتنا؛ فأشعر دوماً بالخوف من اليمين الصهيوني المتطرف الساعي إلى فرض مشروع “إسرائيل الكبرى”، وتارةً أخرى ينتابني القلق من انتصارٍ إيراني قد يفضي إلى بسط نفوذٍ فارسي على عالمنا العربي. فكلا الطرفين، إيران وإسرائيل، يسعيان إلى توسيع نفوذهما على حساب الدول العربية ومصالحها.
لقد أصبحت إيران، في واقع الأمر، صاحبة القرار في السلم والحرب في عددٍ من الدول العربية، كلبنان واليمن والعراق، مستندةً في ذلك إلى توظيف البعد المذهبي، مما أسهم في تعميق الانقسام داخل المجتمعات العربية، وأضعف الانتماء الوطني والقومي لصالح الولاءات الضيقة المرتبطة بمشاريع خارجية.
في المقابل، لا يخفي اليمين الصهيوني الحاكم في إسرائيل نواياه التوسعية، إذ يعلن صراحةً تطلعه إلى إقامة دولة تمتد “من النيل إلى الفرات”، ويواصل تعزيز قوته العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية لفرض هيمنته على المنطقة وخدمة مصالحه الاستراتيجية.
ولا يقتصر التشابه بين المشروعين الإيراني والإسرائيلي على الطموح السياسي، بل يمتد إلى البنية الفكرية والعقائدية؛ فكلاهما يستند إلى تصورٍ يضفي على ذاته تميزًا واستثناءً عن باقي شعوب المنطقة، بما يبرر – في نظره – سياسات الهيمنة والتوسع. ( إسرائيل: شعب الله المختار، وإيران: الأصول الآرية للشعب الإيراني )
كما أن الدعم الأمريكي لإسرائيل، في ظل تأثير تيارات دينية وسياسية مؤيدة لها، يقابله خطابٌ عقائدي لدى إيران وحلفائها، ما يعمّق من توظيف الدين في الصراع السياسي، ويضفي عليه أبعادًا تتجاوز المصالح إلى قناعاتٍ يصعب التراجع عنها.
ومن هنا، يصبح من الضروري قراءة المشهد بواقعيةٍ بعيدةٍ عن الانحيازات الأيديولوجية، فالدول، في نهاية المطاف، تتحرك وفق مصالحها، وتستثمر في الأيديولوجيا لتبرير سياساتها. وإذا كان التاريخ قد شهد صراعًا مستمرًا بين قوى كبرى للسيطرة على منطقتنا، فإن المؤلم أن العرب كثيرًا ما كانوا أدواتٍ في تلك الصراعات، وهو ما يتكرر اليوم بأشكالٍ مختلفة.
إن المواطن الأردني، كغيره من أبناء الأمة، يعيش حالةً من التناقض؛ فهو يتطلع إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، ويرى في إضعاف إسرائيل خطوةً نحو تحقيق هذا الهدف، لكنه في الوقت ذاته يستحضر تجارب دولٍ عربية فقدت جزءًا كبيرًا من سيادتها نتيجة الارتهان لمحاور إقليمية.
وفي خضم هذه التعقيدات، يبقى موقف الأردن واضحًا وثابتًا؛ إذ لا يمكن لأي أردنيٍ مخلص أن يقف على الحياد تجاه ما يستهدف أمن بلاده، أو أن يقبل المساس بسيادتها أو استقرارها. كما يرفض الأردن أن يكون ساحةً أو ممرًا لأي صراع مفروض على المنطقة.
ومنذ اندلاع الحرب على غزة، برز الدور الأردني، بقيادة جلالة الملك، في طرح رؤيةٍ متكاملة تقوم على وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية، وإحياء مسارٍ سياسي جاد يفضي إلى قيام الدولة الفلسطينية، إلى جانب تحركٍ دبلوماسي نشط أسهم في تعزيز التأييد الدولي لهذه الرؤية.
ويؤكد الأردن، في مختلف مواقفه، على ثوابت لا تقبل المساومة: رفض التهجير، ورفض الوطن البديل، وحماية السيادة الوطنية، ورفض استخدام أجوائه أو أراضيه من قبل أي من أطراف النزاع، وتغليب الحلول السياسية على منطق الصراع.
لقد تعرض الأردن، ولا يزال، لحملات تضليلٍ وتشويه، إلا أنه بقي ثابتًا على مواقفه، مستندًا إلى وعي شعبه ومتانة مؤسساته. وأكثر ما يؤلمني أن أسمع من يشكك من ابناء الأردن في الدور الذي تقوم به أجهزتنا العسكرية، وهي تتصدى لمئات الصواريخ والمسيرات التي تستهدف الأردن، حماية للأردن وأمنه وأمن مواطنيه. إن هذا الجهد انما هو واجب سيادي خالص تحتمه مسؤولية الدولة في صون حدودها والدفاع عن مواطنيها، ولا يجوز تأويله أو تحريفه ليفهم على غير حقيقته، وكأنه انحياز إلى طرف من أطراف النزاع ضد الآخر. هذا التشكيك يسيء إلى جهود القائمين عليها وتضحياتهم، ويصل في رأيي إلى درجة الخيانة.
أما آن الأوان لأن ندرك خطورة المرحلة، فنحافظ على أوطاننا، ونرفض كل أشكال الاعتداء، أيًا كان مصدره، وأن نرتقي فوق الانقسامات لنكون أصحاب قرارٍ لا أدواتٍ في صراعات الآخرين؟
حمى الله الأردن، قيادةً وشعبًا، وحفظ أمنه واستقراره.
الراي