facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الدولة ليست وحدها ..


م. عامر البشير
31-03-2026 02:00 AM

والمجتمع ليس متفرّجاً ..

سقوط الوهم قبل سقوط الدولة
في الأزمات، لا تسقط الدول أولًا .. 
بل يسقط وهمٌ أعمق: وهم أن الدولة قادرة وحدها على إنقاذ مجتمعٍ لا يُنقذ نفسه.
ليست الدولة كيانًا معلقًا في الفراغ، ولا المجتمع ظلًا يتبعها بصمت، العلاقة بينهما ليست علاقة حارسٍ ومُحروس، بل شراكة دقيقة، يتكئ فيها كل طرف على الآخر بقدر ما يُسهم في حمايته والحفاظ عليه.
وفي لحظات الاختبار، تنكشف الحقيقة بلا أقنعة:
الدولة، مهما بلغت من جاهزية، لا تستطيع أن تحمي مجتمعًا لم يجهّز ليحمي نفسه.

الدولة… ما تفعله الحكومات وما يفعله الناس
نميل في وعينا الجمعي، إلى اختزال الدولة في مؤسساتها وخططها وأجهزتها؛ نراها في القرارات والموازنات وغرف العمليات، لكننا نغفل أن الدولة، في معناها الأعمق، ليست فقط ما تفعله الحكومات .. بل ما يفعله الناس حين تتقاطع مسؤولياتهم مع المصلحة العامة.
فالدولة ليست مركزًا واحدًا يدير الأزمة، بل شبكة ممتدة من الفعل والتأثير، تبدأ من أعلى مستويات القرار، ولا تنتهي عند أدنى تفاصيل السلوك اليومي.
فالدولة الحديثة، في جوهرها، ليست تفويضًا مطلقًا .. بل عقد مسؤولية متبادلة.

إدارة الأزمات .. من المركز إلى الشبكة
الأزمات لا تُدار من نقطة واحدة، بل من شبكة:
بلديات تنسّق، شركات تتكيّف، مؤسسات أهلية تتدخل، مجتمعات محلية تتماسك، وأفراد يعيدون تعريف دورهم من متلقّين إلى شركاء.
حين تكون هذه الشبكة حيّة، تتحول إلى منظومة حماية متكاملة، وحين تغيب، تصبح الجاهزية الرسمية ناقصة .. والخطط مجرد نصوص بلا روح.

درس “عاصفة اليكسا” .. حين يغيب المجتمع عن المعادلة
ولعلّ ما كشف عمق هذه الإشكالية بوضوح، ما شهدناه خلال عاصفة “اليكسا” التي اجتاحت الأردن عام 2013، حين كنت في موقعي نائبًا في المجلس النيابي السابع عشر ورئيسًا للجنة الخدمات العامّة والنقل.

يومها، لم تكن المشكلة في غياب الجاهزية المؤسسية بقدر ما كانت في غياب التكامل بينها .. والأهم، في غياب المجتمع عن معادلة الاستجابة.
عقدت اللجنة جلسات استماع شملت ثلاثة عشر قطاعًا معنيًا، فظهرت الإخفاقات لا لأن الخطط لم تكن موجودة، بل لأنها لم تكن عابرة للقطاعات، ولم تُبنَ على افتراض أن المجتمع شريك في التنفيذ.

وكان المثال الأوضح .. ما حدث في استهلاك مادّة الخبز: ارتفع الطلب ليلة العاصفة بما يقارب عشرة آلاف طن فوق معدّل الاستهلاك الطبيعي، اندفع الناس بدافع القلق لا الحاجة، فاستقرّ الفائض بعد أيام في حاويات النفايات، رغم استمرار المخابز في الإنتاج طوال استمرار الحالة الجوية.

حين تكشف الأزمة خلل السلوك لا نقص الموارد
هنا، لا تكشف الأزمة نقصًا في الموارد .. بل خللًا في السلوك، 
ولا تُظهر ضعفًا في الدولة .. بل غيابًا في الوعي.

تتجلى المفارقة بوضوح:
قد تمتلك الدولة أفضل الخطط وأدق السيناريوهات وأكبر المخزونات، لكنها تظل عاجزة إذا تعامل المجتمع مع الأزمة بوصفها شأنًا حكوميًا بحتًا.
فالأزمة لا تبدأ حين تنفد الموارد .. بل حين ينفد الوعي.
ولا تتفاقم حين تتعطل الأنظمة .. بل حين يتعطل السلوك.

الاستعداد .. ثقافة تُبنى لا قرار يُتخذ
الاستعداد ليس قرارًا يُتخذ في مجلس وزراء… بل ثقافة تُبنى في المجتمع.
ثقافة تبدأ من أبسط التفاصيل:
* من طريقة استهلاكنا للطاقة
* من إدارتنا للموارد
* من وعينا بما هو ضروري وما هو فائض
حين يُضاء شارع كامل بلا حاجة، لا تكون المشكلة في فاتورة الكهرباء .. بل في غياب الحس الجمعي الذي يدرك أن الموارد مسؤولية مشتركة.


أسئلة الأزمة الحقيقية
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا:

* ما قيمة الخطط الاستراتيجية إن بقيت السلوكيات اليومية على حالها؟
* ما جدوى المخزون الرسمي إن لم يتحمّل القطاع الخاص والمجتمعي نصيبه من المسؤولية؟
* وما معنى الاستقرار إن كان أول ما ينهار عند أول إشاعة هو وعي الناس؟
إن أخطر ما في الأزمات ليس نقص الإمكانات… بل وهم الاتكال.

وهم الاتكال .. وتعطيل القدرة الجماعية
ذلك الوهم الذي يحوّل المجتمع من شريك إلى عبء، ويجعل الاعتماد على الدولة شكلًا من أشكال تعطيل القدرة الجماعية.
المجتمعات القوية لا تُقاس فقط بقدرة دولها على الاستجابة، بل بقدرتها على الاستباق.


الاستباق .. سلوك يومي لا خطة طوارئ
والاستباق ليس خطة طوارئ تُكتب… بل سلوك يُمارس:
* حين يُطفئ فرد إنارة غير ضرورية، يمارس الاستباق
* حين تضبط شركة استهلاكها، تمارس الاستباق
* حين يرفض المجتمع الانجرار خلف الإشاعات، يمارس أعلى درجات الاستباق

معادلة القوة: دولة تخطط .. ومجتمع يتصرف
وهكذا تتشكل معادلة القوة الحقيقية:
دولةٌ تخطط وتنسّق .. ومجتمعٌ يعي ويتصرف.

لا تغني إحداهما عن الأخرى، ولا يمكن أن تقوم إحداهما مقام الأخرى، 
فالدولة قد تسبق الأزمات .. لكن المجتمع، إن لم يواكبها، يعيد إنتاج الخطر من الداخل.

الخاتمة .. الاختبار الداخلي
في النهاية، ليست الأزمة حدثًا يطرق الأبواب من الخارج…
بل اختبارٌ داخلي يكشف ما إذا كنا مجتمعًا يتماسك .. أم مجتمعًا ينتظر.

الدولة ليست وحدها .. وليس من الحكمة ترك المجتمع على الحياد او ان يبقى متفرّجاً .. حين ينسحب المجتمع من المسؤولية .. لا تسقط الدولة أولًا، بل يتآكل المعنى





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :