facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يقول الأردن "لا" .. يعيد تعريف قواعد السلام


فيصل تايه
31-03-2026 09:54 AM

​لم يكن رفض الأردن عقد لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو موقفاً عادياً ، بل لحظة فاصلة أعادت تعريف معنى الدبلوماسية وحدود السلام الممكن، فهذه ليست "لا" تقليدية في سجل العلاقات الدولية، بل هي موقف يعيد ترتيب الأولويات ليضع الحق أولًا ثم السياسة، ففي الشرق الأوسط حيث تختلط الحسابات السياسية بالتاريخ والجغرافيا والهوية، لا تقاس المواقف بعدد اللقاءات بل بقدرتها على تغيير قواعد اللعبة.

ومن هذا المنظور تحديداً يكتسب الموقف الأردني وزنه الحقيقي ليس كرفض لحدث بروتوكولي، بل كإعادة تعريف لمسار كامل، فما فعله الأردن لم يكن انسحاباً من الحوار، بل إعادة ضبط لشروطه الجوهرية، ذلك أن الدبلوماسية التي لا تقوم على أسس واضحة تتحول إلى غطاء لإدارة الأزمات لا حلها، وإلى منصة لتجميل واقع لا يمكن الدفاع عنه، ومن هنا جاء الموقف الأردني ليقول بوضوح لا لبس فيه إنه لا لقاء بلا معنى، ولا تقدم بلا ضمانات، ولا سلام بلا حقوق، وهذه ليست مجرد صياغة خطابية، بل هي قاعدة عمل تُعيد تعريف وظيفة الدبلوماسية نفسها ، وهي دبلوماسية تستمد قوتها من تلاحم شعبي صلب يلتف حول القيادة في رؤيتها العميقة لمصالحه الوطنية العليا وقضايا أمته المصيرية.

​إن الشروط التي طرحها الأردن لأي لقاء، والمتمثلة في ضرورة إقامة دولة فلسطينية على حدود عام ١٩٦٧، ورفض تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، وحماية الوضع القانوني والتاريخي للمسجد الأقصى، وضمان الحقوق المرتبطة بالمياه، ليست مجرد قائمة مطالب تفاوضية، بل هي تعريف عملي للحد الأدنى من العدالة السياسية، وفي زمن أصبحت فيه المعايير مرنة إلى حد التلاشي، يكتسب هذا الوضوح قوة استثنائية تضع حداً فاصلاً بين السلام كفكرة أخلاقية وبين السلام كأداة سياسية مؤقتة، خاصة وأن التقارير الدولية تُظهر بوضوح أن ملايين الفلسطينيين يواجهون واقعاً إنسانياً بالغ القسوة، مما يجعل أي حديث عن سلام منفصل عن هذه الحقائق محاولة لزيادة تأزيم الواقع بدلاً من تغييره .

وهنا يبرز الموقف الأردني كخط دفاع عن فكرة جوهرية مفادها أنه لا يمكن بناء استقرار دائم فوق معاناة مستمرة، واللافت في هذا الموقف ليس فقط مضمونه، بل توقيته ودقته، ففي لحظة يسعى فيها البعض إلى تحقيق اختراقات دبلوماسية سريعة وشكلية، اختار الأردن أن يرفض الإنجاز السهل لصالح النتيجة الصعبة والحقيقية، وهي مفارقة تكشف فهماً عميقاً لطبيعة الصراع بأن التاريخ لا يكافئ السرعة بل يكافئ الصواب ، وبأن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق بالقفز فوق الأزمات بل بمواجهتها بجرأة ومسؤولية.

​إن الأردن يدرك تماماً أن القضية الفلسطينية ليست ملفاً تفاوضياً يمكن ترحيله، بل هي مرتكز استقرار إقليمي وامتحان مستمر لمصداقية النظام الدولي، وتجاهلها لا يخلق سلاماً بل يؤجل الانفجار، ومن هنا فإن الرفض الأردني لا يغلق باب الحوار، بل يرفض أن يكون الحوار أداة لتكريس واقع غير عادل، محولاً البوصلة من دبلوماسية إدارة الأزمة إلى دبلوماسية حلّها من جذورها، فعلى مدى عقود لم يكن دور الأردن هامشياً ، فمن استضافة اللاجئين إلى الوصاية الهاشمية على المقدسات، جعلت هذه العناصر من الأردن طرفاً لا يمكنه الحياد، لأن الحياد هنا يعتبر تخلياً، ولذلك فإن الموقف الحالي هو الذروة المنطقية للنهج الأردني الثابت ، وهو ثبات يعزز الدور المحوري للمملكة كحجر زاوية في أي جهد عربي أو دولي يبتغي السلام العادل والشامل.

والمفارقة الأهم أن هذا الرفض يعزز موقع الأردن كشريك استراتيجي موثوق يمتلك خطوطاً حمراء واضحة ولا يغير مبادئه تحت الضغط، ليعيد بذلك تعريف الدبلوماسية بأنها ليست فن عقد اللقاءات، بل فن تحديد ما يجب أن يحدث داخلها، وقدرة على وضع الخلاف في إطاره الصحيح لحماية المعنى من التفريغ، موصلاً رسالة مفادها أنه لا يمكن إعادة هندسة السلام بتجاهل أسسه الأخلاقية، فالإجابة التي يقدمها الأردن اليوم واضحة وصارمة: سلام لا يقوم على الحق لن يدوم، وسلام لا يحمي الكرامة لن يكون سلامًا أصلًا.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :