كان له مستشارون أقوياء في ولايته الأولى ، أصحاب خبرة واسعة ، في الشأنين الداخلي والخارجي ، كانوا إن شئت ركن السياسة المكين في إدارته ، يعرفون تماماً أين تكمن مصالح واشنطن ، لم يتحمّل ترامب بعضهم ، مثل جون بولتون مستشاره لشؤون الأمن القومي ، الذي أطاح به بعد حين ، كانوا يقدّمون آراءهم ومواقفهم السياسية له على شكل نصائح ، يتمسكون بها باعتبارها في صُلْبِ مصالح الولايات المتحدة ، وتَحْولُ بنظرهم دون إندفاع الرئيس صوب سياسات ، لا تخدم واشنطن ولا حلفائها ، وهذا ما جعله مثلاً يكتفي في حينه بإيقاف العمل بالإتفاق النووي مع إيران ، رغم إلحاح نتنياهو على التصدي لهذا المشروع بطريقة مختلفة ، لكنّ تلك النخبة من الحواريّين العقلاء في إدارته ، بذلوا كلّ ما في وسعهم لمنع تنفيذ رغبات نتنياهو ، التي لاتخدم مصالح واشنطن ، ولا حتى إسرائيل كما يحدث الآن في إيران .
أكتفى ترامب في حينه ، بتعزيز قدرات القوات المسلّحة ، لمواجهة الصين وكوريا الشمالية وإيران ، ومسائل الهجرة ومكافحة الأرهاب بالتوافق مع مساعديه ، تحت عنوان عريض جذّاب إسمه "أمريكا أولاً"، ولم يكن له في الشرق الأوسط ما يستحق الاهتمام سوى النفط والمال ، وما يرضي مصالح إسرائيل أيضاً .
ولايته الثانية اختلفت تماماً ، إذ بدا منذ أيامه الأولى ، أكثر صرامة وجرأة في توظيف النفوذ الامريكي خارجياً ، حيث بدأ ينتهج سياسة ، عقد العزم فيها على إعادة تشكيل هذا النفوذ ، وترتيبه بالقوة والضغط ، كما يفعل الآن في إيران وقبلها فنزويلا ، دون أخذ رأي حلفائه أو استشارة احدٍ من مساعديه ، أولئك الذين يبدو أنه اختار معظمهم ، لكي يكونوا موظفين كباراً في إدارته فقط ، يرددون كل يوم ، ما يقوله الرئيس دون زيادة أو نقصان ، تماماً كما هو الحال في الحرب على طهران .
لم يكن شعار أمريكا أولاً ، بالنسبة للرئيس في ولايته الأولى مثلاً ، سوى مقاربة أراد من خلالها ، رفض فكرة العولمة بمدلولها الواسع وكُلَفِها العسكرية والمالية على الولايات المتحدة ، إذ ما أن جلس على مقعده مرة ثانية في البيت الأبيض ، حتى أستبدلها بشعار لنجعل امريكا عظيمة مرةً أخرى . لكن ما من أحدٍ من الاوروبيين ، توقع أن يتمخّض عن هذا الشعار ، ذاك الإستخدام المفرطٌ للقوة ، دون قيود أو حتى مبررات هنا وهناك ، بإستثناء الحفاظ على أمن إسرائيل ، وعلى حساب مصالح الآخرين ، في وقت أصبحت فيه هذه المقاربة الآن ، في ظل سلطته المطلقة الجديدة ، وضعف مستشاريه أمام رغباته ، بمثابة مشروع لإعادة هندسة النظام الدولي ، وفق منطق القوة دون النظر لمصالح حلفائه ، أولئك الذين قلب لهم ظهر المِجَّنْ ، ولم يعد يكترث لرأيهم في السياسة الدولية ، الأمر الذي جعل زعماء أوروبا يظهرون موقفاً مختلفاً من حربه المشتركة على إيران ، رغم روابط حلف الناتو الوثيقة التي تجمعهم ، تلك مسألة لن يسامحهم عليها ترامب ، بعد أن كال عليهم وفقها المزيد من النقد ، بعضه كان فيضاً من التقريع ، ذلك مثّلَ لهم تحوّلٌ غير طبيعي في ولايته الثانية أربكهم جميعا .
مخاضٌ صعب برأي الاوروبيين ، ذاك الذي أدخل ترامب بلاده فيه كدولة عظمى ، تنفيذاً لرغبات نتنياهو في إيران ، بات أهل الخليج بموجبه يئنّون تحت وطأته ، وزادته المتحدِّثة بإسم البيت الأبيض قتامة ، حين قالت أن الرئيس يفكّر في مطالبة دول الخليج ، بدفع تكاليف الحرب ، في وقت تدّعي تل أبيب وحدها الإنجاز فيه ، الأمر الذي جعل من حق العقلاء في المنطقة وفقه ، أن يسألوا ترامب الآن عن جدوى الدور العسكري الامريكي برمته في الشرق الأوسط ، بعد كل هذه الخسائر التي منيت بها المنطقة ، وبعد أن عجز جيشه حتى هذه اللحظة ، عن فتح مضيق هرمز المغلق الآن ، وهو الأمر الذي كان من المفترض أن يمنع ترامب حدوثه أصلاً .
مطالبة البيت الأبيض للخليج ، بدفع تكاليف الحرب ، تذكّرني بقصَّة من تأبَّط شرّاً في التاريخ العربي القديم ، الذي طالب بديَّة القتيل البريء بعد أن نفّذ جريمته فيه.