“الوجدان الأردني" .. جبهة الوعي في زمن "السيولة السياسية”
فيصل تايه
01-04-2026 09:23 AM
حين تسعى السرديات المتصارعة إلى بث دعايات مكثّفة، لا تكتفي بنشر المعلومات، بل تتجاوز ذلك إلى اختراق البنية النفسية للمجتمع، وإعادة ترتيب سلم قِيَمه، بحيث تحدد ما ينبغي أن يُرى بديهياً وما يجب أن يُحاط بالشك ، وهنا، تنتقل المعركة إلى ميدان أكثر تعقيداً وخفاءً: ميدان "هندسة القناعات".
وفي هذا السياق، لا يقاس خطر الحروب بما تدمره في الجغرافيا، بل بما تعيد تشكيله في الوعي البشري ، فحين تنتهي الحرب ، يبدأ فصلاً جديداً، أعمق أثراً وأشد خطورة، في تشكيل العقول وإعادة تعريف الحقيقة.
في هذا المستوى من الصراع، يتحول الإنسان من مجرد متابع للأحداث إلى "ساحة" تدور عليها تلك الأحداث ، فتضخ إليه لغة "الاستقطاب الحاد" القائمة على ثنائيات (مع أو ضد)، لا لإقناعه بحقيقة مطلقة، بل لتربكه وتزعزع المعايير الأخلاقية والوطنية التي يقيس بها المواقف ، وهنا تحديداً، يتحول الخطر من خلاف سياسي مشروع إلى حالة من "السيولة الأخلاقية"، يفقد فيها المجتمع تدريجياً قدرته على التمييز بين ما ينبع من أصالة وجدانه وما يُفرض عليه من أجندات عابرة للحدود.
إن الأردن، بوصفه كياناً سياسياً واجتماعياً تشكل في قلب منطقة لا تعرف السكون، لم يستمد استمراريته عبر العقود من فائض القوة المادية فحسب، بل من "استقرار وجداني" عميق ، وهو توازن دقيق بين الصلابة والمرونة، وبين الانفتاح الواعي والتحفظ الحريص ، فهذا التوازن لم يكن يوماً مجرد نظرية سياسية، بل هو سلوك يومي تجسّد في لغة تميل إلى العقلانية لا الانفعال، وفي فزعة اجتماعية تقدّم كرامة الإنسان على أي اصطفاف ضيق، وفي قدرة متكررة على احتواء التوتر قبل أن يتحول إلى انقسام.
إن ما يواجهه المجتمع الأردني اليوم ليس مجرد دعوة لتغيير موقف سياسي، بل محاولة لإعادة تشكيل "طريقة النظر" ذاتها ، عبر إدخاله في جدالات وافدة، واستنزاف طاقاته في صراعات فكرية "مغشوشة" لا تخدم أولوياته الوطنية ، وهنا، تصبح العودة إلى الثوابت الأخلاقية والتمسك بالهوية الفكرية الصافية فعلاً سيادياً بامتياز ، فالمجتمع الذي يحافظ على استقلال معاييره في إدارة الاختلاف وضبط لغة الخطاب، يحافظ ضمنياً على استقلال قراره الوطني.
لقد علمتنا التجربة أن "المناعة المجتمعية" لا تبنى بالشعارات، بل بالتراكم الصامت لممارسات أصيلة: كترفع النفس عن الإساءة رغم القدرة عليها، والتعالي عن الاستفزاز الرقمي، والقدرة الفطرية على فرز "الغث من السمين" وسط فيضان المعلومات المضللة ، فهذه السلوكيات هي جدار الصد الأول الذي يحمي المجتمع من أن يتحول إلى صدى لصراعات لا تخدم بوصلته الوطنية.
وهنا تبرز مسؤولية صون الوجدان، بوصفها مسؤولية جماعية تشترك فيها الأسرة والمدرسة والمؤسسة الثقافية ، لضمان ألا يترك الفراغ الفكري نهباً للعابرين، ولتعزيز الثقة بالذات الوطنية والاعتزاز بنموذج أثبتت الأيام صلابته أمام عواصف التشكيك.
وفي زمن الاستقطاب، يصبح "الهدوء الواثق" هو الموقف الأكثر شجاعة، ويغدو الامتناع عن الانزلاق نحو "التوتر الوافد" تعبيراً عن نضج الهوية، لا ضعفها ، فالرهان الحقيقي لا يكمن في مجاراة الأحداث بالانفعالات اللحظية، بل في القدرة على عدم الذوبان فيها ، بأن يبقى الوجدان الأردني وفياً لمنطقه الداخلي، محصناً ضد محاولات إعادة التعريف القسرية.
إن قوتنا الحقيقية تكمن في بقاء "الوعي الوقائي" حياً في صدور الأردنيين ، الوعي الذي يجمع ولا يفرق، ويشتد في الحق دون أن يحتد في الخلق، ويؤمن بأن الحفاظ على نسيجنا الداخلي هو الضمانة الوحيدة لمستقبل الأجيال.
لأن المجتمعات لا تهزم حين تستدرج إلى مواقف خاطئة، بل حين تفقد الموازين التي تُدرك بها خطأ تلك المواقف.
وهنا، بين الوعي والارتباك…
يبدأ كل شيء، أو ينتهي.
والله الموفق