قراءة في خطاب الدولة الأردنية بعين سمير الرفاعي
السفير د. موفق العجلوني
01-04-2026 11:07 AM
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يكتسب خطاب دولةً السيد سمير الرفاعي أهمية خاصة، ليس فقط لما يتضمنه من قراءة تحليلية متماسكة، بل لما يعكسه من خبرة سياسية عميقة في فهم توازنات المنطقة وتعقيداتها.
ينطلق الرفاعي من مقاربة واقعية تبتعد عن التبسيط، رافضاً اختزال الصراع الدائر في المنطقة ضمن ثنائية دينية أو أخلاقية، ومؤكداً أنه صراع مشاريع نفوذ بين إيران وإسرائيل، لكل منهما أدواته وأجنداته التي تتجاوز الشعارات المعلنة. هذه القراءة تعكس نضجاً سياسياً ينسجم مع مدرسة الدولة الأردنية التي طالما اعتمدت العقلانية والاتزان في مقاربة الأزمات.
وفي هذا السياق، يبرز طرحه برفض "الوهمين" بوصفه دعوة صريحة إلى التحرر من الاصطفافان العاطفية، والتعامل مع الواقع من منظور المصلحة الوطنية. وهي دعوة تتقاطع بوضوح مع النهج الأردني الراهن، الذي يقوم على التوازن في العلاقات الإقليمية والدولية، دون الانجرار إلى محاور متصارعة.
كما يولي الرئيس الرفاعي أهمية استثنائية للضفة الغربية، معتبراً أن المساس بها يشكل تهديداً مباشراً للأمن الوطني الأردني، وهي نقطة تعكس فهماً عميقاً لحساسية الجغرافيا السياسية للأردن، وتنسجم مع الموقف الرسمي الثابت في رفض التهجير أو فرض وقائع ديموغرافية جديدة.
وعلى الصعيد الداخلي، يلفت الخطاب الانتباه إلى أهمية حماية الوعي المجتمعي، وتعزيز الثقة بالدولة، ورفض خطاب التحريض والانقسام، وهي عناصر باتت تشكل، بحق، خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات المركبة.
ولا يمكن إغفال ما تضمنه الخطاب من تأكيد على أهمية البعد الاقتصادي، والدعوة إلى تعزيز التكامل العربي، وفتح الأسواق، بما يعكس إدراكاً واضحاً للعلاقة العضوية بين الاستقرار السياسي والصلابة الاقتصادية.
وبالرغم من هذا الطرح المتماسك، كان من الممكن أن يزداد الخطاب عمقاً لو تطرق بشكل أكثر صراحة إلى بعض الملفات الحساسة التي يُفترض أن المتحدث، بحكم المواقع التي شغلها، يمتلك معرفة دقيقة بتفاصيلها، سواء على مستوى إدارة الأزمات الإقليمية، أو آليات التعامل مع الضغوط الدولية، أو حتى التحديات الداخلية ذات الطابع الاقتصادي والسياسي.
إن الإشارة إلى هذه الملفات، ولو بحدود مدروسة، كانت ستضيف بعداً عملياً أكبر للخطاب، وتمنحه زخماً إضافياً يتجاوز الإطار التحليلي إلى تقديم رؤى تنفيذية أكثر تحديداً.
مع ذلك، يبقى خطاب الرئيسً الرفاعي نموذجاً لخطاب الدولة الرصين، الذي يجمع بين الواقعية السياسية والحرص على الثوابت الوطنية، ويعكس مدرسة سياسية ترى في الاعتدال قوة، وفي التوازن ضرورة، وفي الوعي المجتمعي أساساً للصمود.
وبالتالي، فإن ما طرحه دولةً الرئيس سمير زيد الرفاعي لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوسع للسياسة الأردنية، بل هو امتداد فكري لها، ومحاولة لإعادة تأكيد أولوياتها في لحظة إقليمية تتسم بدرجة عالية من الحساسية وعدم اليقين، ما يجعل من هذا النوع من الخطاب حاجة ملحّة لتعزيز وضوح البوصلة الوطنية .
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me