حين يقول الأردن "لا": الملك يضع حدًا للابتزاز السياسي الإسرائيلي
د.عبدالله القضاة
01-04-2026 11:34 AM
في مرحلة إقليمية تتسم بتصاعد الضغوط واختبار صلابة المواقف الاستراتيجية، جاء قرار جلالة الملك عبدالله الثاني برفض عقد لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليؤسس لمقاربة سياسية حازمة. هذا الموقف يكسر نمطاً سياسياً طالما سعت إسرائيل لفرضه في المنطقة، والمتمثل في محاولة شرعنة سياساتها عبر لقاءات بروتوكولية تُنتزع من خلالها المكاسب دون تقديم أي استحقاقات سياسية مقابلة.
إن ما جرى لا يندرج ضمن التفاصيل الدبلوماسية العابرة، بل يمثل لحظة كاشفة أعادت فيها الدولة الأردنية تعريف قواعد الاشتباك السياسي. الرسالة الأردنية كانت واضحة المعالم: لا توجد لقاءات مجانية، ولا غطاء سياسي لسياسات تقوض ركائز الاستقرار الإقليمي، ولا مجال للمجاملات الدبلوماسية عندما يتعلق الأمر بالثوابت الوطنية والقومية.
لقد سعى الجانب الإسرائيلي، في توقيت بالغ الحساسية، إلى توظيف صورة سياسية مع عمّان لتمرير رسائل مزدوجة؛ الأولى موجهة للداخل الإسرائيلي لتسويق القيادة الحالية كقوة قادرة على كسر طوق العزلة، والثانية موجهة لواشنطن لتقديم إسرائيل كشريك إقليمي يحظى بالقبول. غير أن الرد الأردني جاء حاسماً ليؤكد أن عمّان ليست منصة لتلميع الأزمات الداخلية الإسرائيلية، ولا جسراً لعبور سياسات فرض الأمر الواقع.
لم تكن المحددات التي وضعتها الدبلوماسية الأردنية مجرد مناورة تفاوضية، بل شكلت تعبيراً صريحاً عن الحد الأدنى من العقلانية السياسية المطلوبة لإرساء الاستقرار. وتضمنت هذه المحددات مساراً واضحاً يفضي إلى تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة، والوقف الفوري لمشاريع الضم، والرفض القاطع لأي محاولات لتهجير الفلسطينيين، فضلاً عن الالتزام الصارم بالوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى المبارك. وفي جوهرها، لا تمثل هذه المحددات مطالب أردنية فحسب، بل هي اختبار حقيقي لجدية أي طرح يتعلق بالسلام الشامل والعادل.
وقد كان لافتاً أن الاستجابة الإسرائيلية لم ترقَ إلى مستوى هذه المتطلبات الاستراتيجية، مما يكشف مجدداً أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لا تبحث عن حلول جذرية، بل تسعى لإدارة الأزمة عبر أدوات العلاقات العامة. وهنا تحديداً، برز القرار الأردني ليضع حداً قاطعاً لهذه المقاربة العبثية.
في العمق الاستراتيجي لهذا الموقف، تتجلى حقيقة راسخة لا تقبل التأويل: إن القدس، بما تحمله من رمزية دينية وسياسية، ليست ملفاً خاضعاً للمساومة. فالدفاع عن المقدسات الإسلامية والمسيحية، وفي مقدمتها المسجد الأقصى المبارك، يتجاوز كونه خياراً سياسياً ظرفياً، ليمثل التزاماً سيادياً يرتبط ارتباطاً عضوياً بالوصاية الهاشمية التاريخية وبمكانة الأردن المحورية في الإقليم.
وعليه، فإن رفض اللقاء لم يقتصر على كونه رفضاً لشروط غير كافية، بل شكل رفضاً مبدئياً لمنح أي شرعية ضمنية لمسار سياسي يهدف إلى تغيير الوقائع على الأرض دون تحمل أي كلفة سياسية. هذا الموقف يكرس موقع الأردن كدولة فاعلة لا تكتفي برفض الانحرافات السياسية، بل تمتلك الإرادة والقدرة على منع تحويلها إلى أمر واقع.
والأهم من ذلك، أن هذا القرار يحمل رسالة استراتيجية واضحة المعالم، موجهة بالدرجة الأولى إلى صانع القرار في واشنطن: إن الاستقرار المستدام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يُبنى على تجاهل الثوابت الأردنية، ولا من خلال مكافأة السياسات الأكثر تشدداً وتطرفاً. فالأردن، بحكم موقعه الجيوسياسي ودوره التاريخي، ليس متلقياً في معادلة الإقليم، بل هو طرف رئيسي ومؤثر في صياغة توازناته.
على الصعيد الداخلي، يسهم هذا الموقف في تعزيز التلاحم الوطني وترسيخ معادلة الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، حيث يتناغم القرار السياسي السيادي مع الوجدان الشعبي في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية والمقدسات. أما على الصعيد الخارجي، فإنه يعيد تثبيت صورة الأردن كدولة مؤسسات راسخة، تدرك تماماً متى تنخرط بإيجابية، والأهم من ذلك، متى تتخذ موقفاً حازماً بالرفض.
في المحصلة، لم يقتصر الموقف الأردني على رفض لقاء سياسي، بل تجاوز ذلك ليرفض أن يكون الأردن جزءاً من مشهد يُعاد فيه إنتاج الأزمات على حساب مبادئ العدالة والشرعية الدولية. وبذلك، فإن الأردن لا يدير مجرد خلاف دبلوماسي، بل يرسم خطاً استراتيجياً واضحاً: لا شرعية لمن يتجاوز الحقوق المشروعة، ولا شراكة مع من يقوض أسس السلام العادل.
هذا هو الأردن حين يتحدث بصوت الدولة العميقة... لا بصوت اللحظة العابرة.
* أمين عام سابق