خفض ضريبة المحروقات بين عجز الخزينة وعجز القرار
حسان سلطان المجالي
02-04-2026 09:04 AM
تتعامل الحكومات مع ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً باعتباره مبرراً جاهزاً لرفع الأسعار محلياً دون أن تطرح بجدية خيار تخفيض العبء الضريبي ...
في الحالة الأردنية لا يتعلق الأمر بغياب البدائل ، بل بطبيعة النهج المالي المعتمد منذ سنوات حيث الجباية السهلة بدل الإدارة الاقتصادية الفعالة ،، فالحكومة تدّعي أن تخفيض الضريبة على المحروقات يعني خسارة مباشرة في الإيرادات ، وهذا قد يكون صحيحاً من الناحية المحاسبية ، لأن الضرائب المفروضة على الوقود تعد من أكثر مصادر الدخل استقراراً وسهولة في التحصيل ، وأي تخفيض فيها سوف ينعكس فوراً على الخزينة ،، لكن مثل هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية مفادها بأن الإيراد ليس هدفاً بحد ذاته ، بل هو أداة لإدارة الاقتصاد وتحقيق التوازن الاجتماعي ، وعندما تتحول الضريبة إلى عبء خانق فإن الإبقاء عليها بهذا الشكل يصبح قراراً ضاراً ، وليس خياراً مالياً محايداً .....
في المقابل ، فإن ما تتجنبه الحكومة ليس فقط انخفاض الإيرادات ، بل كلفة القرار السياسي ، لأن تخفيض الضريبة يفرض إعادة النظر في أولويات الإنفاق العام ، ويفتح باب المساءلة حول كفاءة إدارة المال العام ، وهو ما تحاول الحكومات المتعاقبة تفاديه ، فيكون الأسهل دائماً هو تحميل المواطن الكلفة ، لا تقاسمها معه .....
خلال الأزمات العالمية الأخيرة خاصة تلك المرتبطة بالحروب مثل الحرب في أوكرانيا أو الحرب الدائرة اليوم وما انتجته من اضطرابات في مجال الطاقة ، فقد لجأت دول عديدة إلى تخفيض الضرائب على الوقود ، أو تقديم دعم مباشر لتخفيف الصدمة عن مواطنيها ، ومثل هذه الدول لم تكن أكثر (كرماً) ، بل كانت أكثر إدراكاً لخطورة نقل الأزمة بالكامل إلى الداخل ، لما لذلك من آثار تضخمية واجتماعية واقتصادية واسعة ...
صحيح أن إمكانيات تلك الدول تختلف عن امكانيات الأردن ، لكن الفارق الحقيقي لا يكمن فقط في (حجم الموارد) ، بل في (طريقة إدارتها) ، فالمشكلة في الأردن هيكلية ، وذلك من خلال الاعتماد المفرط على الضرائب غير المباشرة ، وغياب إصلاح جدي للإنفاق العام ، وضعف في أدوات الحماية الاجتماعية ،، ومثل هذه العوامل تجعل المواطن دائماً هو الحلقة الأضعف في أي معادلة مالية ....
ومن ثم ، فإن النتيجة المباشرة للسياسة الحالية واضحة ، لأن ارتفاع أسعار المحروقات سوف يرفع كلفة النقل والإنتاج ، مما ينعكس على أسعار السلع والخدمات ، ويؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية ، وبهذا المعنى فإن الحكومة لا تتجنب الخسارة ، بل تنقلها بالكامل إلى المواطن ، وتعيد إنتاج الأزمة داخل الاقتصاد المحلي ....
الخلاصة لا تحتمل التجميل ،، فخيار عدم تخفيض الضريبة ليس حتمياً ، بل هو قرار سياسي بتحميل المواطن العبء الكامل ، وما يُقدّم على أنه (حماية للخزينة) هو في الواقع استمرار لنهج مالي يفتقر إلى العدالة والكفاءة ، ويؤجل الإصلاح الحقيقي على حساب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ....
والله المستعان .
* مستشار قانوني / ومدعي عام الضريبة سابقاً