facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين تناقض الخطاب وارتباك القرار


السفير د. موفق العجلوني
02-04-2026 10:31 AM

* عندما تتحول القوة إلى عبء على صورتها

في خطابه الأخير الموجّه إلى الشعب الأميركي، بدا الرئيس دونالد ترامب وكأنه يتحدث بلغتين متناقضتين: لغة تُطمئن الداخل الأميركي وتعد بالانتصار، وأخرى تحمل تهديدات حادة وغير مسبوقة على الساحة الدولية، وصلت إلى حد التلويح بإعادة إيران إلى " العصر الحجري". هذا التباين الصارخ لا يعكس فقط ارتباكًا في الرسائل، بل يكشف خللًا عميقًا في إدارة الخطاب السياسي لدولة بحجم الولايات المتحدة الأميركية القوة العظمى في العالم.

الخطاب، الذي كان يفترض أن يحدد أهدافًا واضحة للحرب، جاء خاليًا من أي رؤية استراتيجية متماسكة، بل زاد من حدة الانتقادات الداخلية. فقد عبّرت قيادات سياسية وإعلامية واقتصادية واجتماعية أميركية عن رفضها لهذا النهج، معتبرة أن الإدارة الحالية تدفع البلاد نحو أزمة عالمية دون تحقيق مكاسب ملموسة. وترافق ذلك مع مظاهرات متصاعدة في الداخل الأميركي، تعكس انقسامًا حادًا وغضبًا شعبيًا متزايدًا.

ومن أبرز ما ورد في الخطاب، شكر دول مجلس التعاون الخليجي، في محاولة لإظهار أن لدى واشنطن حلفاء إقليميين يدعمون هذا النهج. غير أن هذا الطرح يحمل تناقضًا واضحًا، إذ إن دول الخليج لم تكن جزءًا من هذه الحرب، ولم تعلن تأييدها لها، بل عبّرت في مواقفها الرسمية عن رفضها للتصعيد وتمسكها بالحلول الدبلوماسية. إن هذا " الشكر " يبدو أقرب إلى محاولة سياسية لتجميل المشهد، أكثر منه انعكاسًا لواقع المواقف.

بل على العكس، فإن هذه الحرب وضعت دول الخليج في موقف حرج، وورّطتها في تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية هي في غنى عنها. في إيران تبقى دولة جارة، وكانت هناك قنوات تواصل قائمة بينها وبين الدول الخليجية والعربية، ضمن مساعٍ لخفض التوتر وتعزيز الاستقرار الإقليمي. وقد أكدت القمم الخليجية، إلى جانب الأردن بقيادة بقيادة جلالة الملك عبد الله " رجل السلام " ، على أولوية الحوار والدبلوماسية، وضرورة التحلي بالحكمة والعقلانية في معالجة الأزمات، لا الانزلاق نحو قرارات أحادية متسرعة.

وفي هذا السياق، فإن تجاوز الأطر الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة و مجلس الامن حتى حلف النانو ورفض الدول الأوروبية المشاركة في هذه الحرب ، يثير مخاوف جدية بشأن تقويض النظام الدولي القائم على القواعد. إذ إن اللجوء إلى القوة خارج هذه الأطر يعزز منطق " شريعة الغاب "، ويهدد بتداعيات طويلة الأمد على الاستقرار العالمي.

دوليًا، لم يكن وقع الخطاب أقل حدة، حيث أبدى الاتحاد الأوروبي رفضًا واضحًا لهذا التصعيد، فيما تابعت كل من الصين وروسيا التطورات باعتبارها فرصة لإبراز تراجع الدور الأميركي. أما على مستوى الرأي العام العالمي، بما في ذلك الشعوب العربية والإسلامية، فقد تصاعدت مشاعر التعاطف مع إيران، نتيجة ما اعتُبر تهديدات مفرطة وغير مبررة.

وفي خضم ذلك، يبرز التنسيق الوثيق مع بنيامين نتنياهو، حيث يواصل الرئيس ترامب التأكيد على دعم إسرائيل واستمرار الحرب. إلا أن هذا الإصرار، في ظل غياب نتائج استراتيجية واضحة، يطرح تساؤلات حول جدوى هذا النهج، خاصة في ظل الوضع الداخلي المعقد في إسرائيل نفسها، وما تواجهه من تحديات سياسية وأمنية.

اللافت أن هذه الحرب، حتى الآن، لم تحقق أهدافًا أميركية أو إسرائيلية ملموسة، بل أسهمت في تعميق الأزمات، وتشويه صورة القيادتين، وإضعاف مكانة الولايات المتحدة عالميًا. كما أن الخطاب التصعيدي، الذي يغلب عليه الطابع الانفعالي، يتناقض مع تقاليد الدبلوماسية التي تتطلب اتزانًا وحسابًا دقيقًا للعواقب.

في المحصلة، يعكس خطاب ترامب أزمة في الرؤية والأسلوب معًا، ويؤكد أن إدارة الأزمات الدولية لا يمكن أن تقوم على التهديد والتفرد بالقرار، بل على التعددية والتفاهم الدولي. ومع اتساع دائرة الرفض، داخليًا وخارجيًا، تبدو هذه الحرب مثالًا على سياسات قصيرة النظر، قد تترك آثارًا عميقة على مستقبل الولايات المتحدة وإسرائيل، في ظل عالم بات أكثر حساسية تجاه مغامرات غير محسوبة العواقب.

في نهاية المطاف، لا يمكن لأي قوة، مهما بلغت، أن تفرض رؤيتها على العالم بمنطق التهديد والتصعيد، كما ظهر في خطاب الرئيس ترامب يوم أمس، ولا أن تبرر سياساتها بالتحالفات الظرفية أو الخطابات المتناقضة. فالتجارب أثبتت أن الحروب لا تبني استقرارًا، بل تفتح أبواب أزمات أوسع، وتُضعف صورة الدول، كما هو الحال مع ما تواجهه الولايات المتحدة وإسرائيل من انتقادات داخلية وخارجية متزايدة.

إن العالم الذي نعيش فيه لم يُبنَى ليكون ساحة صراع دائم، بل فضاءً مشتركًا لبناء الإنسان وتعزيز الحضارة. ومن هنا، فإن الأصوات التي ارتفعت من دول مجلس التعاون الخليجي ومعها الاردن و مصر والباكستان وتركيا ، إلى جانب العديد من الدول الداعية للسلام، تمثل نهجًا أكثر اتزانًا وواقعية، قائمًا على الحوار والدبلوماسية وتغليب الحكمة والعقلانية.

فالحلول الحقيقية لا تأتي من فوهات البنادق، ولا من قرارات متفردة تتجاوز الأمم المتحدة ومؤسسات الشرعية الدولية، بل من طاولة الحوار، حيث تُصان المصالح وتُجنب الشعوب ويلات الحروب. إن الدبلوماسية ليست ضعفًا، بل هي أعلى درجات القوة، لأنها تعكس وعيًا بمسؤولية الحفاظ على الاستقرار العالمي. وهذا المسار الذي انتهجه الأردن دائماً بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله و بالتشاور مع الاشقاء و الاصدقاء من الملوك والامراء و رؤساء العالم .

وفي عالمٍ يزداد ترابطًا وتعقيدًا، لم يعد مقبولًا أن تُدار الأزمات بعقلية الصدام، بل بروح التفاهم. فالحكمة والعقلانية والحوار تبقى الطريق الوحيد نحو سلامٍ دائم، يحفظ كرامة الشعوب ويصون مستقبل الإنسانية بعيدًا عن الدمار والخراب.

* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :