بين الردع والاستنزاف: حسابات الربح والخسارة لأطراف الصراع القائم حول إيران
د. عبدالحفيظ العجلوني
26-03-2026 12:13 PM
في خضم التصعيد المتسارع بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم يعد ممكنًا فهم المشهد من خلال منطق “المنتصر والمهزوم”. فالصراع لم يعد حرب ظل خالصة تُدار عبر الوكلاء، ولا مواجهة مباشرة مكتملة الأركان، بل أصبح مزيجًا معقدًا من الردع المتبادل والانكشاف المتزايد، حيث تتداخل الجغرافيا مع السياسة، والتكتيك مع الاستراتيجية.
لسنوات طويلة، اعتمدت طهران على بناء نفوذ إقليمي واسع، واستخدام ساحات خارجية لإدارة المواجهة، بما يخفف عنها كلفة الحرب المباشرة مع خصوم متفوقين عسكريًا. وقد نجحت هذه المقاربة في ترسيخ نوع من الردع غير المتكافئ، مكّنها من تهديد خصومها دون الانجرار إلى مواجهة شاملة. إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه المعادلة لم تعد مستقرة كما كانت؛ إذ إن انتقال جزء من الاشتباك إلى الداخل الإيراني، عبر ضربات نوعية واستهدافات حساسة، يعكس درجة متزايدة من الانكشاف، ويضع الاستراتيجية الإيرانية أمام اختبار صعب.
هذا لا يعني أن إيران فقدت أدواتها؛ فما زالت تمتلك شبكة تأثير إقليمية قادرة على إرباك خصومها وفرض كلفة عليهم، كما توظف التصعيد لتعزيز تماسكها الداخلي سياسيًا. غير أن الثمن بات أعلى بكثير: خسائر مادية وبشرية متزايدة، وضغوط اقتصادية متواصلة، واستنزاف مالي لدعم الحلفاء، وتحديات أمنية داخلية أكثر تعقيدًا. وهنا تتجلى المفارقة؛ فكلما سعت إيران إلى تعزيز ردعها، ارتفعت كلفة الحفاظ عليه.
في المقابل، تبدو إسرائيل وكأنها انتقلت من سياسة الاحتواء إلى توسيع هامش المبادرة، مستفيدة من تفوقها الاستخباراتي والعسكري، ومن دعم أمريكي راسخ؛ ما مكّنها من الوصول إلى أهداف مهمة داخل العمق الإيراني، ومنحها تفوقًا تكتيكيًا واضحًا، وجعلها تعيد رسم قواعد الاشتباك تدريجيًا. إلا أن هذا التفوق لا يُترجم إلى استقرار استراتيجي؛ فإسرائيل ما تزال تواجه بيئة تهديد متعددة الجبهات، وتتحمل كلفة دفاعية وأمنية متصاعدة، ما يجعل إنجازاتها أقرب إلى “إدارة تهديد” منها إلى “حسم صراع”.
أما الولايات المتحدة، فتواصل لعب دور “مدير الصراع” رغم كونها طرفًا مباشرًا فيه. فهي تحافظ على تفوقها الاستراتيجي عبر شبكة تحالفات واسعة، وتستخدم الضغط على إيران كأداة لإعادة تشكيل توازنات المنطقة، دون الانزلاق إلى حرب شاملة. غير أن هذا النهج يفرض عليها استنزافًا مستمرًا، سواء من حيث الكلفة المالية الضخمة، أو الانتشار العسكري، أو الانشغال بملف إقليمي معقد في وقت تتزايد فيه أولوياتها العالمية.
من منظور سياسي-استراتيجي، يمكن القول إن جميع الأطراف تحقق “أرباحًا جزئية” لكنها تتكبد “خسائر تراكمية”. إيران تربح في قدرتها على البقاء لاعبًا مؤثرًا في الإقليم رغم الضغوط، لكنها تخسر اقتصاديًا وتواجه انكشافًا متزايدًا. إسرائيل تربح تكتيكيًا في قدرتها على الضرب والوصول، لكنها تعيش تحت تهديد دائم واستنزاف مستمر. أما الولايات المتحدة فتحافظ على موقعها القيادي، لكنها تدفع كلفة إدارة صراع بلا نهاية واضحة.
الخلاصة أن ما نشهده اليوم هو توازن استنزاف ديناميكي، لم يعد ثابتًا كما في السابق، بل يتجه نحو مزيد من الهشاشة مع اقتراب المواجهة من العمق، وتآكل الخطوط الفاصلة بين الحرب المباشرة وغير المباشرة. وفي مثل هذا التوازن، لا يكون الخطر في الخسارة الحالية بقدر ما يكمن في احتمالات الانزلاق غير المحسوب.
وعليه، لم يعد السؤال: من يربح ومن يخسر؟ بل: إلى متى يمكن لهذا الصراع عالي الكلفة أن يستمر دون أن ينفلت من عقاله، ويتجاوز كل حسابات الربح والخسارة.