facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




جغرافيا الوهم أم هندسة الاحتلال؟ نقد لـ “المعضلة الاستراتيجية” لجورج فريدمان


السفير ماهر لوكاشه
06-06-2026 06:12 PM

ليس من المستغرب أن نرى جورج فريدمان يستخدم مشرطه الجغرافي لتشريح منطقة الشرق الأوسط، وهي منطقة يتجاهل نبضها البشري باستمرار. لكن المثير للدهشة هو تأطيره المستمر لـ “الخصر الضيق” لإسرائيل على أنه نقطة ضعف جغرافية متأصلة يجب تعويضها من خلال الاستهلاك الدائم للأراضي العربية. في مقاله الأخير، “مشكلة إسرائيل الاستراتيجية”، يقع فريدمان في فخ التسييس الأمني المطلق الخبيث، وهو سلاح أيديولوجي يستخدم لإضفاء الشرعية على التوسع تحت ستار “العمق الاستراتيجي”. إنه يتجاهل بشكل ملائم الحقيقة الأساسية: هذا “الخصر” ضيق فقط لأنه تم نحته بعنف في أرض يرفض تاريخها وهويتها وشعبها مثل هذا الفرض بطبيعته.

الحديث عن تسعة أميال كتهديد وجودي ليس مجرد تحليل؛ إنه حالة كلاسيكية لاستخدام مقدمة واقعية للوصول إلى نتيجة مغلوطة، بل خطيرة. فريدمان لا يفسر الخرائط فحسب؛ بل يضع بنشاط الأساس الفكري لسياسة “المجال الحيوي” التي تردد صدى أحلك فصول التاريخ الاستعماري. هذا الكيان، الذي تأسس من خلال وعود بلفور والمكائد الأوروبية، لم يكن أبدًا ضحية للجغرافيا. على العكس من ذلك، كان هو المعتدي الذي مزق بشكل منهجي الجغرافيا التاريخية لفلسطين في عام 1948. إن “العمق” الذي يدافع عنه فريدمان ليس حاجزًا حقيقيًا للمناورات العسكرية؛ إنه شيك على بياض للاحتلال لابتلاع الضفة الغربية، والاندفاع بقوة نحو نهر الليطاني، وتحويل غزة إلى مختبر للتدمير – وكل ذلك مبرر تحت ذريعة واهية لـ “الخوف” الدائم من الهزيمة.

يزعم فريدمان أن إسرائيل يجب أن تكون “أقوى بكثير دائمًا” – وهو منطق قانون الغاب الوحشي الذي يرفض صراحة السلام كقيمة إنسانية والتعايش المتبادل كمسار قابل للتطبيق. إن إسرائيل التي يصورها على أنها ناجية معجزة من عام 1973 هي نفس الكيان الذي يرفض اليوم بشكل منهجي إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. هذا الرفض لا ينبع من أي عائق جغرافي، بل من شهوة توسعية لا تشبع، تغذيها بسخرية أسطورة “من النيل إلى الفرات”. إنهم يختلقون الروايات بلا هوادة، ويشوهون الشرائع الإلهية، ثم، بشكل مذهل، يصدقون ضحيتهم المصطنعة حتى بينما تمزق طائراتهم المتقدمة حرفيًا أجساد الأطفال في غزة.

كيف يمكن لفريدمان، أو أي محلل يحترم نفسه، أن يوفق بين الحقيقة التي لا يمكن إنكارها بأن أحفاد أولئك الذين عانوا تحت النازية يدبرون اليوم “محرقة” حديثة ضد الشعب الفلسطيني؟ غزة ليست مجرد “جبهة”؛ إنها صرخة ضمير حارقة ضد كل محلل يجرؤ على تبرير معسكرات التعذيب، والسجن التعسفي للنساء والأطفال، والاستخدام المتعمد والموثق للفوسفور الأبيض. إن “الخصر الضيق” الحقيقي لا يوجد في حدود إسرائيل المصطنعة، بل في أفقها السياسي الخانق وعجزها المزمن عن التعايش دون التخطيط المستمر لتفكيك إيران أو إضعاف مصر وتركيا استراتيجيًا، كل ذلك للحفاظ على هيمنتها الإقليمية الهشة.

سيد فريدمان، الأمن لا يُشترى بالدبابات، ولا يُؤمّن بالاحتلال الوحشي. سيبقى الاستقرار الإقليمي سرابًا بعيد المنال طالما حُرم طفل فلسطيني من حقه الأساسي في الأرض وتقرير المصير، وطالما وُجد كيان ينظر إلى جيرانه على أنهم مجرد “أهداف” يجب تحييدها. “العمق الاستراتيجي” هو وهم خطير محصور في عقول الجنرالات والتوسعيين. الحقيقة الوحيدة التي لا جدال فيها، والتي تردد صداها عبر التاريخ، هي أن الأرض ملك لشعبها، والاحتلال – مهما حاول اكتساب “عمق” – يظل جسدًا غريبًا، محكومًا عليه بالتراجع حتمًا أمام عدالة التاريخ واندفاعه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :