البلديات في الأردن: التنمية لا تعيقها القوانين بقدر ما تعيقها القدرات
م. فوزي مسعد
02-04-2026 01:04 PM
لم تعد المشكلة الأساسية في البلديات الأردنية هي غياب القانون أو انعدام الإطار الناظم للإدارة المحلية، فالقانون موجود، والهياكل قائمة، والخطاب الرسمي يتحدث بوضوح عن دور تنموي للبلديات. لكن الواقع يكشف أن الفجوة الحقيقية ليست بين القانون والنية فقط، بل بين الطموح والقدرة. فالبلديات ما تزال، في معظمها، أقرب إلى مؤسسات خدمية محدودة الإمكانات منها إلى مؤسسات محلية قادرة على قيادة التنمية.
فالبلدية اليوم تستطيع أن تساهم في التنمية، لكن مساهمتها تبقى جزئية ومحدودة ما دامت قدراتها الإدارية والفنية والمالية دون المستوى المطلوب. إذ لا يمكن الحديث عن تنمية محلية حقيقية في ظل جهاز إداري ضعيف، أو كوادر غير كافية، أو آليات عمل تقليدية، أو غياب نظم واضحة لقياس الأداء والمتابعة والمساءلة. كما لا يمكن للبلدية أن تخطط لمشروع تنموي أو تجذب استثمارًا أو تدير شراكة ناجحة إذا كانت قدراتها الفنية محدودة، وتعتمد في إعداد المشاريع والدراسات والتنفيذ على دعم خارجي متقطع.
أما التحدي المالي، فهو في صلب المشكلة لا على هامشها. فالكثير من البلديات لا تزال تتحرك ضمن هوامش مالية ضيقة، تجعلها منشغلة بتغطية الالتزامات الأساسية أكثر من انشغالها ببناء مبادرات تنموية ذات أثر مستدام. وعندما تكون الموارد غير مستقرة، والتحصيل ضعيفًا، والاعتماد على الدعم المركزي كبيرًا، فإن البلدية تفقد قدرتها على المبادرة، وتصبح أقرب إلى إدارة أزمة دائمة منها إلى إدارة تنمية.
لهذا، فإن تطوير البلديات في الأردن لا يبدأ فقط من تعديل النصوص أو توسيع الشعارات، بل من بناء المؤسسة البلدية نفسها. المطلوب أولًا مأسسة العمل البلدي وتوفير جهاز إداري مهني ومستقر. والمطلوب ثانيًا تعزيز القدرات الفنية للبلديات في التخطيط وإعداد المشاريع والتنفيذ والمتابعة. والمطلوب ثالثًا إصلاح البنية المالية بما يمنح البلديات قدرة أفضل على التمويل وإدارة الموارد. والمطلوب رابعًا ترسيخ آلية فاعلة وحازمة لتطبيق الأنظمة والقوانين، لأن المشكلة ليست في وجود النصوص وحدها، بل في ضعف إنفاذها، وفي تفاوت الالتزام بها من بلدية إلى أخرى، وهو ما يضعف هيبة القانون ويحد من قدرة البلدية على القيام بدورها التنموي والتنظيمي
إن البلدية لا تصبح شريكًا حقيقيًا في التنمية لأنها تحمل هذا الوصف، بل لأنها تمتلك أدواته. وحين تتوافر الإدارة الكفؤة، والقدرة الفنية، والموارد المالية المستقرة، عندها فقط تنتقل البلديات من دورها التقليدي كمقدّم خدمات، إلى دورها الطبيعي كفاعل محلي يقود التنمية ويصنع أثرًا مباشرًا في حياة الناس.