حربُ الخليج بين هرْمَجِدُّونْ وكَرْبُلاء
حسين بني هاني
02-04-2026 01:14 PM
غُلاةُ اليمين في واشنطن وتل أبيب ، أصحاب المبادئ والنفوذ ، يعتقدون أنّ هرمجدّون هي معركة آخر الزمان ، سيظهر بعدها المسيح ليحقق العدل والسلام ، بالمقابل نظراؤهم الشيعة في طهران ينتظرون عودة الإمام الغائب على شكل المهدي المنتظر باعتباره نبيَّ آخر الزمان أيضا ، كلا الفهمين يشكِّلان مسائل راسخة في وجدان وعقيدة الطرفين معاً . المفارقة أنّ الرئيس ترامب ، بات محشوراً بين هذه وتلك ، يريد إظهار النصر بأي ثمن وإنهاء الحرب ، وربما يكون فتح مضيق هرمز للملاحة بالنسبة له ، هو الفيصل والعنوان . المسألة باتت شخصية له أكثر منها وطنية ، بعد أن اصبح بحاجة إلى تحقيق أي هدف ، يتستّر عليه ويحميه امام محبيه من الشعب الامريكي ، وربما أكثر من تحقيق الهدف نفسه الذي قامت الحرب من أجله ، حتى لو جاء عبر الموافقة على بعض مطالب طهران .
عقلاء السياسة في واشنطن ، بدأوا يذكّرون الرئيس بأن استمرار الحرب بين طرفين عنيدين ، من شأنها أن تصبح حماقة ، إذا أبتغى وأصرَّ أحد أطرافها على استعراض القوة ، ضد قادة عقائديين وعنيدون في طهران ، يدركون قدرة واشنطن على إمتلاك آلة تدمير هائلة ، لكنهم عاجزون بنظرهم عن فهم طبيعة الانسان الايراني ، كبرياؤه وذاكرته التاريخية ، ودوافعه الدينية والثقافية والوطنية .
لم يخفى على قادة طهران ، صعوبة موقف ترامب في حربه هذه ، وهو يناشد ويعاتب ويوبِّخُ حلفائه على عدم مساندته في فتح مضيق هرمز ، ودعوته لهم ساخراً بالذهاب إلى الخليج والقيام بالمهمة نيابة عنه ، ورغبته بالانسحاب من حلف الأطلسي نكاية بهم .
إذ تبيَّنَ لهم أن مشكلة ترامب في هذه المواجهة ، تكمن في غياب الفهم الثقافي والتاريخي عنه ، لمبدأ الحكم على الطريقة الشيعية ، والتفاف المؤيدين المتين حول الفكرة ، إذا تعرّض قادتها للخطر ، ذاك سبق وأن حدث مثله بالنسبة لهم في التاريخ الإسلامي ، تحديداً في موقعة كربلاء الحسين بن علي ، عندما فضّلَ الحاضرون فيها التضحية بأنفسهم جميعاً ، دفاعاً عن الإمام ومبادئه ، عِوَضَ الرضوخ والاستسلام ، رغم فارق القوة الكبير وقتها ، تماماً كما هو الحال بين طهران وواشنطن اليوم .
لا يعرف ترامب أن الحروب عند أصحاب العمائم ، هي مسألة مشبعةٌ بالعاطفة والاعتقاد الديني ، والذاكرة الجمعية والرغبة في الثأر والانتقام ، في ظل مواجهة هي الأكثر تطرفاً والأعمق جرحاً ، إذ لم تعد تلك الحرب بالنسبة لهم ، مجرَّد حسابات تقنيّة وعسكرية صرفة ، كما هو الحال عند الرئيس ترامب ، الفارق بين الطرفين ، أنّ ترامب وحاشيته ينتظرون اليوم التالي بعد الحرب ، كعنوان لمستقبل يريد ترامب أن يفرضه بالقوة ، بينما هي بنظر قادة طهران منازلة كبرى بين الحق والباطل ، يتصرّف ترامب وفقها حسب قدرات جيشه ، فيما يقاتل الإيرانيون ثأراً لمشاعر الاستياء والاهانة ، أو أقلّه الولاء والدفاع عن المبدأ والعقيدة الشيعية .
المسألة بالنسبة لهؤلاء ، ليست أقماراً صناعية وخرائط لوجستية ، وصواريخ وطائرات شبحية ، وإنما معركة ثقافية فاصلة تعتمد على مبدأ الرفض للاستسلام ، حتى لو أدى ذلك للإنتحار . لقد غدت المواجهة وفق هذه العقائد ، وبعد شهرٍ ونيِّف من القتال الضاري ، بمثابة ورطة للرئيس أكثر منها حربٌ بين عنيدين ، يقاتل فيها نظام طهران من أجل البقاء ، فيما يصارع فيها ترامب من أجل النصر ، وإنهاء الأعمال العسكرية بشيء من الكرامة ، دون إلحاق الإهانة به شخصيا ، حتى ولو جاء النصر شكلياً ، بعد أن أشعل الشرق الأوسط ، وبدأ يخاطب العالم لإطفاء الحريق .
لكن هذا العالم الذي يخاطبه ترامب ، يعرف تماماً ، أن النظام الإيراني مستعد لتحمّل الألم بشكل يفوق كثيراً إستعداد ترامب له ، ذاك الرئيس الذي بدأ يدرك تماماً ، نفاذ صبر ناخبيه على هذا الجرح المفتوح ، الذي طال وتعمَّق نزيف سعر النفط فيه ، وضَعُفتْ بموجبه قدرة مؤيديه على الصمود طويلاً كما هو الحال في إيران ، مما جعله يلقي خطابه الاخير هذا ، من أجل رفع روحهم المعنوية فقط .