هل تشريع الجريمة يجعلها مشروعاً؟
أ.د عبدالله ابراهيم الكيلاني
02-04-2026 03:33 PM
*محاكمة "العقلية القانونية الشكليّة" على ضوء نكبة العدالة
في ظل تصاعد الممارسات الجائرة التي تُقَنَّنُ جهاراً نهاراً، وآخرها المساعي الإسرائيلية لتشريع قانون "إعدام الأسرى الفلسطينيين" عبر الكنيست، يطرح العقل البشري والوجدان الإنساني سؤالاً بديهياً لكنه مصيري: هل يكفي أن يُقَرَّ الفعل "بقانون" لكي يصبح "مشروعاً"؟ هل مجرد مرور النص عبر المسارات الشكلية للتشريع (البرلمان، التصويت، النشر في الجريدة الرسمية) يكسبه "الشرعية" و"العدالة"؟
إن الجواب على هذا السؤال يمثل خط الفصل بين مفهومين متعارضين تماماً للقانون: مفهوم يعتبر القانون عصاً للسلطة، ومفهوم يعتبر القانون أداة للعدالة.
المدرسة الوضعية الشكلية: العدل "تحت" النص
هذه العقلية التي تبحث فقط عن "الشكل" و"المسار الإجرائي" للنص دون الالتفات لمضمونه الأخلاقي، تنتمي تاريخياً وفلسفياً إلى المدرسة القانونية الوضعية (Legal Positivism)، وفي نسختها الأكثر تطرفاً، "الشكلية القانونية".
جوهر هذه المدرسة يقوم على مبدأ "الفصل بين القانون والأخلاق". القانون هو ما تقرره السلطة التشريعية المختصة وفقاً للإجراءات الصحيحة، بغض النظر عن كونه عادلاً أم جائراً، أخلاقياً أم لا أخلاقياً. في هذا المنظور:
* العدل والحق يقعان "تحت" النص: الحق ليس قيمة فطرية، بل هو "منحة" من القانون. والعدل ليس معياراً أعلى، بل هو ببساطة "تطبيق ما أقره القانون".
* الطاعة العمياء للنص: مادام القانون قد "أُقِرَّ بطرقه الشكلية"، فهو قانون سارٍ، وطاعته واجبة وتطبيقه يعد التزاماً بـ "سيادة القانون".
هذا المنطق هو الذي حوّل القانون عبر التاريخ إلى أداة لشرعنة أبشع الجرائم ضد الإنسانية.
* بهذا المنطق شرعن أدولف هتلر المحرقة (النازية): كانت القوانين النازية التي جرّدت اليهود من حقوقهم وممتلكاتهم تمهيداً لإبادتهم، هي قوانين "شرعية" من الناحية الشكلية، فقد صدرت عن السلطات النازية المختصة. وتطبيقها كان يعد التزاماً بـ "القانون النازي".
* وبهذا المنطق يُشَرِّع الكنيست الإسرائيلي إعدام الأسير الفلسطيني: هو "يضفي الشرعية" على فعل "القتل خارج نطاق القضاء" (وفقاً للمفهوم الدولي)، عبر عملية تصويت داخل البرلمان. إنه "تحيز صارخ" و"جور ممأسس" يُلَبَّس ثوب النص القانوني لشرعنته أمام الرأي العام الداخلي والخارجي.
مدرسة القانون الطبيعي والفقه الإسلامي: العدالة "فوق" النص
في المقابل، تقف مدرسة القانون الطبيعي (Natural Law)، والتي تلتقي في جوهرها مع المنظور التشريعي في الفقه الإسلامي. هذه المدرسة لا تعترف بـ "الفصل بين القانون والأخلاق"، بل تعتبر الأخلاق والعدالة هي الأساس الذي يُبنى عليه القانون.
جوهر هذه المدرسة يقوم على مبدأ "أن القانون يجب أن يكون عادلاً ومبدئياً":
* العدالة والحق يقعان "فوق" النص القانوني: هناك معيار أعلى للعدالة (أخلاقي، ديني، أو مبادئ حقوق الإنسان العالمية الفطرية) هو الذي يجب أن يمتثل له القانون. الحق هو قيمة فطرية، ولا يمكن للقانون أن يُسقط حق الإنسان في الحياة أو الكرامة.
* القانون الجائر ليس قانوناً: إذا كان في القانون تحيز سلبي أو جور، فهو "ياطل" أصلاً و"جائر"، ولا يمت لسيادة القانون بصلة، حتى لو أقرته الأغلبية بأغلبية ساحقة. "الأغلبية لا تصنع الحق"، و"القتل لا يصبح عدلاً لمجرد أن الأغلبية وافقت عليه".
المنظور القرآني: إدانة جرائم "القانون الجائر"
إن هذا المنظور (أن العدالة فوق النص) هو المبدأ الذي رسخه القرآن الكريم في إدانته لجرائم الظالمين، حتى تلك التي استندت لقوانينهم وأنظمتهم السارية.
* إدانة جرائم فرعون التي استندت لقانونه: عندما كان فرعون يذبح أطفال بني إسرائيل (﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾)، لم يكن يفعل ذلك بشكل "عشوائي"، بل كان يستند لـ "نظام" و"قانون فرعوني" سارٍ في مصر في ذلك الوقت، يعتبر هؤلاء الأطفال "تهديداً للأمن القومي" (وفقاً لمفهومهم). القرآن أدان هذا الفعل كجرم عظيم (﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾)، واعتبره طغياناً وفساداً، رغم أنه كان "قانوناً".
* إدانة جرائم أصحاب الأخدود: أولئك الذين حفروا الأخدود وأحرقوا المؤمنين بالنار (﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾). هم فعلوا ذلك استناداً لـ "نظام" أو "قانون الحاكم" الذي كان يطالبهم بالعبادة أو بالولاء المطلق. هم طبقوا "الاحتجاج القانوني" على عصيان الأوامر، لكن القرآن أدانهم وخلد ذكرهم كجرم بشع، لأن "التطبيق الشكلي للقانون" لا يعفي من "المسؤولية الأخلاقية" عن جريمة القتل والحرق.
الخلاصة: الحق لا يُخلق، بل يُكتشف
إن "شرعنة إعدام الأسير بقانون" لا تجعله مشروعاً أخلاقياً ولا عادلاً، بل تجعله "جريمة مُشَرَّعَة". الحق والعدالة ليسوا "تحت النص" يُقررهم الكنيست او البرلمان كيفما يشاء، بل هم قيم فطرية عليا (فوق النص) يجب أن يمتثل لها النص لكي يكتسب شرعيته المجتمعية والأخلاقية.
ولهذا، فإن "سيادة القانون" (Rule of Law) الحقيقية لا تعني "طاعة أي نص"، بل تعني "سيادة العدالة والإنصاف التي يجسدها القانون". وما يفعله الاحتلال الإسرائيلي هو "توظيف سياسي خبيث للأدوات القانونية" (Weaponization of Law) لخدمة نظام الاحتلال والظلم، وهو ما يُسمى (Rule by Law) - "الحكم بالقانون"، حيث القانون هو عصا السلطة للبطش. وما يحدث في الكنيست اليوم هو نكبة جديدة للعدالة باسم سيادة قانون شكلي وباطل.
إن ما يشهده الكنيست الإسرائيلي من مساعي لشرعنة إعدام الأسرى، ليس مجرد "أجراء قانوني" يمكن تجاوزه، بل هو تجسيد لـ توالد النكبات في حق الإنسانية. إنه تكرار للفظاعات النازية والفاشية، ولكن هذه المرة بملابس عصرية ومكياج تشريعي "ديمقراطي". إنه إعلان بأن الاحتلال لا يكتفي بـ "النكبة الأرضية" (سلب الأرض والبيت)، بل يسعى لـ "نكبة العدالة" و"نكبة الحياة" (تقنين القتل) عبر استعباد القانون لخدمة شهوة البطش.
لكن، في عمق هذا التغول التشريعي، يكمن الوعيد الفلكي والقرآني. إن تآكل العدالة وتحول القانون إلى أداة خالصة للجرم والتحيز، هو المؤشر الأوضح على زوال الطغيان. فـ "الظلم مؤذن بخراب العمران". وتوالد النكبات، وتشريع الجرائم، هو العلامة التي تؤذن بطي صفحة من طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد. فالتاريخ لا يرحم، والسنن الإلهية لا تتخلف، وقانون العدالة الفطرية العليا سينتصر في النهاية على قوانين الاحتلال الباطلة، وإن أقرّتها كل الأغلبيات. وما يحدث اليوم هو، في الحقيقة، "انتحار للعدالة" باسم سيادة قانون شكلي وباطل.