facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حين يُقارن السياسي بالنبي… يسقط المعنى وتُهان الحقيقة


سمير حمدان - بودابست
03-04-2026 09:38 AM

وعندما تتحول القداسة إلى مبرّر… تصبح الحرب أكثر شرعية

في لحظة واحدة، يمكن لعبارة قصيرة أن تكشف خللًا عميقًا في بنية العالم، خلال مؤتمر صحفي وُجّه سؤال مباشر إلى دونالد ترامب عمّا إذا كان يعتقد أن الله راضٍ عمّا يفعله، وهو سؤال لم يكن دينيًا بقدر ما كان أخلاقيًا، يتعلق بمسؤولية القوة وحدودها، فجاء الجواب سريعًا، وواثقًا، ومحمّلًا بدلالة تتجاوز الكلمات، “هل تعتقد أن الله راضٍ عمّا تفعله؟”، فأجاب بما معناه أن الله فخور بما قام به، لأنه يحمي المسيحيين واليهود وغيرهم.

هنا لا تبدأ المشكلة من الجواب وحده، بل من الافتراض الذي يحمله، أن رضا الله يمكن أن يُقاس بميزان القوة، وأن السماء يمكن أن تُستدعى لتزكية موقع سياسي، في هذه اللحظة لا يكون الدين حاضرًا بوصفه ضميرًا، بل بوصفه أداة، لا يقيّد السلطة، بل يمنحها شرعية أعلى من المساءلة.

لم يكن هذا التصريح تعبيرًا دينيًا، بقدر ما كان انعكاسًا لمنطق سياسي يعيد إنتاج نفسه بلغة مقدّسة، حين تُستدعى السماء لتبرير قرارات الأرض، يتحول الدين من مرجعية أخلاقية إلى أداة سلطة، لا تفسّر الواقع، بل تعيد تشكيله بما يخدم القوة، وحين تُستخدم السماء لتبرير الحرب، تتحول كل ضربة إلى فعل يبدو مشروعًا، لا لأنها عادلة، بل لأنها مغطاة بلغة لا تُناقش، وهنا يصبح الصراع أكثر خطورة، لأنه لا يُقدَّم كتنافس مصالح، بل كحقيقة مطلقة تُغلق باب النقاش قبل أن يُفتح.

لكن الخلل الأعمق يظهر في الانتقائية، حين يُربط رضا السماء بحماية فئة دون أخرى، يتحول السؤال من سياسي إلى أخلاقي خالص، هل الرحمة انتقائية، وهل الكرامة قابلة للتجزئة، وهل بعض الأرواح تُحسب، وأخرى تُهمَّش، عند هذه النقطة، لا يعود الحديث عن الإيمان، بل عن تبرير القوة، وتجميل التفاوت، وإعادة تعريف العدالة وفق ميزان النفوذ.

وفي الشرق الأوسط، لا يحتاج المرء إلى كثير من التدقيق ليرى أن هذا المنطق لا يُقال فقط، بل يُمارس، من فلسطين إلى لبنان، ومن سوريا إلى اليمن، تتغير الشعارات، لكن القاعدة واحدة، خطاب يتحدث عن الحماية، وواقع يتحرك بمنطق السيطرة، ونتيجة يدفع ثمنها من لا يملك موقعًا داخل الرواية.

لكن ما يجعل هذا الخطاب أكثر فجاجة ليس ما يُقال، بل ما يحدث على الأرض، ففي القدس يُمنع مسيحيون من الوصول إلى كنائسهم في مناسبات دينية، وتُقيَّد صلواتهم، وفي غزة لا تُستثنى الكنائس من القصف، ولا تُحترم رمزيتها، هنا يسقط الادعاء بالكامل، لأن من يتحدث عن حماية الإيمان لا يمكن أن يتجاهل انتهاكه، حين لا يخدم روايته.

الدول في سلوكها الفعلي لا تحمي الأديان، بل تحمي مصالحها، هذه ليست فكرة صادمة، بل حقيقة معروفة، لكن الخطورة تبدأ عندما تُقدَّم هذه المصالح بغطاء ديني، حينها لا يعود الصراع قابلًا للنقاش، بل يتحول إلى قصة مغلقة، تُدان المعاناة هنا، وتُبرَّر هناك، وتُمحى إذا لم تدخل في السردية.

والمفارقة أن الأديان التي يُستدعى اسمها في هذا الخطاب تقول العكس تمامًا، في الإسلام تكريم الإنسان مبدأ مطلق، في المسيحية السلام قيمة مركزية، وفي التراث اليهودي النفس البشرية لا تُقاس بالهوية، نصوص واضحة، لكن استخدامها في السياسة لا يكون لحمايتها، بل لإعادة تفسيرها بما يخدم الواقع، لا ما يصححه.

ثم تأتي اللحظة الأكثر انكشافًا، حين تُقارن باولا وايت كاين بين دونالد ترامب والمسيح، هنا لا ترتفع السياسة إلى مستوى المقدّس، بل يُسحب المقدّس إلى مستوى السياسة، ويُستخدم داخل خطاب القوة، وعندها لا يرتفع السياسي، بل يُساء إلى قدسية المعنى الذي يحمله المقدّس، ويُحمَّل ما ليس منه.

في جوهر العقيدة، المسيح ليس تجربة تُقارن، بل مرجعية مطلقة، وفي التصور الإسلامي عيسى عليه السلام مقام يُصان، لذلك فإن هذه المقارنات لا تُقدّس السياسة، بل تُسيّس المقدّس، وتُفرغه من معناه، وتحوّله إلى لغة قابلة للاستخدام.

حين يُستدعى الدين في السياسة، لا يكون الهدف فهم العالم، بل تبسيطه، وتقسيمه، وتحويله إلى رواية سهلة، نحن في جهة الحق، والآخرون خارجها، ومع امتداد الصراعات تتحول هذه اللغة إلى أداة لإدارة العنف، وتبرير الهيمنة، وإعادة رسم الخرائط تحت عناوين أخلاقية.

وفي هذه اللحظة، لا يُختزل الصراع فقط، بل يُختزل الإنسان نفسه، يصبح رقمًا داخل رواية، أو ضحية بلا سياق، أو تفصيلًا يمكن تجاوزه، والخطر الحقيقي ليس في أن يؤمن سياسي أن الله معه، بل في أن يقتنع العالم بذلك، ثم يعيد ترتيب ضميره على هذا الأساس.

حين تُربط الرحمة بالهوية، ويُربط الحق بالقوة، تتحول العدالة إلى امتياز، لا إلى مبدأ، وكأن الإنسانية لم تعد قيمة مطلقة، بل حالة مشروطة.

الله في كل الديانات ليس طرفًا في الحروب، ولا شاهدًا يُستدعى لتبريرها، لكن حين تُستخدم اللغة الدينية لتغطية السيطرة، فإن أول ما يسقط ليس السياسة، بل المعنى نفسه.

أما الحقيقة التي لا يمكن تجاوزها، فهي أن كل ما يُنسب إلى الرحمة والتسامح يقف على مسافة بعيدة جدًا من ممارسات دونالد ترامب، مسافة لا تُختصر بخطاب، ولا تُجسر بتشبيه، لأن المقدّس لا يُقارن، والنبوة لا تُستعار، والعدالة لا تُجزّأ، وحين يتكلم السياسي باسم الله، لا يرتفع الخطاب، بل يهبط المعنى، ثم تهبط الحقيقة، ثم يهبط الإنسان نفسه، ليصبح مجرد تفصيل صغير في حرب تُدار باسم السماء، بينما هي في جوهرها حرب على الأرض، وعلى الضمير، وعلى كل ما تبقّى من معنى .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :