استدامة الضمان والرواتب التقاعدية المرتفعة
د. واصل المشاقبة
04-04-2026 09:21 AM
سُئلت موخرا من احد الزملاء عن النقاش الدائر حول استدامة الضمان الاجتماعي وخاصة ما يتعلق بالاشتراك الاختياري وتكلفته وتحديدا حالة صديقي "فدعوس" الذي يحصل اليوم على تقاعد مقداره ٢٦٥٠ دينارا بعد اشتراك دام ٢٤ عاما. وقد رغبت في اخذ النقاش الى مستوى اعمق يوضح الفرق بين التدفقات النقدية المباشرة وبين تقييم القيمة الحقيقية للاشتراكات عبر الخصم خصوصا بعد طرح اسئلة حول صافي القيمة المضافة.
عند النظر الى الاشتراكات من الضروري التمييز بين ما هو محاسبي وما هو مالي. فمن الناحية المحاسبية دفع هذا المشترك ما يقارب ٨٤ الف دينار خلال ٢٤ عاما وهو رقم ناتج من دخله التراكمي البالغ ٤٨٤ الف دينار مع اقتطاع نسبته ١٧.٥٪. هذا هو المبلغ النقدي الفعلي الذي خرج من جيب صديقي فدعوس.
اما منهج الخصم الذي يعيد تقييم الاشتراكات القديمة بقيمة اليوم باستخدام معدل خصم مثل ٥٪ فهو يقدم قيمة افتراضية لما كان يمكن ان تساويه الاشتراكات لو استثمرت في السوق المالي طوال ٢٤ عاما. هذا التحليل مهم لكنه لا يعكس العبء الفعلي على الصندوق ولا ما دفعه المشترك نقدا، بل يعكس فرصة بديلة نظرية او ما نسميه بالاقتصاد ال opportunity cost.
ولتبسيط الصورة يمكن سؤال واحد ماذا لو استثمر المشترك اشتراكاته بنفسه؟ ماذا لو استثمر شخصيا اشتراكاته المقدرة ب ٢٩٢ دينارا شهريا لمدة ٢٤ عاما، فان القيمة المستقبلية لاستثماره عند ٥٪ قدرتها بنحو ١٤٥ الف دينار وعند ٧.٥٪ نحو ١٧٥ الفا، وعند ١٠٪ نحو ٢١٥ الفا. حتى في افضل السيناريوهات لا يقترب الاستثمار الذاتي من المنافع التي يحصل عليها من الضمان.
في المقابل يحصل هذا المشترك على ٢٦٥٠ دينارا شهريا لمدة ٢٠ سنة اي ما مجموعه ٦٣٦ ألف دينار بافتراض ان صديقي تقاعد عند ٦٠ والاستفادة حتى ٨٠. هذا هو التدفق النقدي الفعلي لا النظري. وعند مقارنته بما دفعه نقدا، يتبين انه يحصل على نحو ٧.٥ ضعف ما دفعه وهو عائد فعلي لا يمكن تحقيقه في اي سوق مالي مستقر. حتى العائد التاريخي لمؤشر S&P 500 الامريكي يتراوح بين ٧٪ و١٠٪ سنويا على المدى الطويل.
وهنا تكمن النقطة الجوهرية لصناع القرار في الحكومة ومؤسسة الضمان شريطة امتلاكهم المعرفة الفنية والتحليلية اللازمة لفهم هذه الفجوات. العائد الداخلي الفعلي الذي يحصل عليه المشترك من الضمان يتراوح بين ١٨٪ و٢٠٪ سنويا. هذا مستوى من السخاء لا يمكن لاي صندوق تقاعدي تحمله دون ضغوط كبيرة على الاستدامة المالية. لذلك فان الادعاء بان الضمان يدفع اقل مما يستحق المشترك او انه يحقق عائدا ضعيفا لا يتوافق مع الارقام. فالمشكلة ليست في ضعف عوائد الاستثمار بقدر ما هي في سخاء المنافع مقارنة بحجم الاشتراكات.
من هنا فان اي نقاش حول تعديل القانون او اعادة هيكلة النظام يجب ان ينطلق من هذه الحقائق الرقمية الواضحة. الفجوة بين الاشتراكات والمنافع واسعة جدا والعائد الفعلي للمشترك مرتفع إلى درجة تجعل الاستدامة المالية مسألة تتطلب معالجة هيكلية جادة، لا حلولا تجميلية او مؤجلة. وهذا ما يستدعي نقاشا وطنيا صريحا وهادئا حول مستقبل النظام التقاعدي…