أهمية الربط الكهربائي العربي والاقليمي
م. عبدالفتاح الدرادكة
04-04-2026 11:51 AM
لقد تجلّت، أكثر فأكثر، الأهمية الكبيرة لوجود ربط كهربائي بين الأنظمة الكهربائية، سواء العربية أو الإقليمية(تركيا). ففي ظروف التشغيل الطبيعية، يسهم هذا الربط في تعزيز استقرارية الأنظمة، حتى في حال عدم وجود تبادل فعلي للطاقة الكهربائية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الربط الخليجي، الذي يربط النظام الكهربائي السعودي—وهو الأكبر نسبياً مقارنة بالأنظمة الأخرى—مع الأنظمة الكهربائية في دول الخليج.
ونشير هنا إلى أن النظام الكهربائي في المملكة العربية السعودية يعمل على تردد 60 هيرتز، في حين تعمل بقية الأنظمة الكهربائية في المنطقة على 50 هيرتز. لذا فإن الربط بين النظام السعودي وأي نظام آخر يتطلب إنشاء ما يُعرف بمحطات Converter–Inverter، أي محطات تحويل وعكس التردد، لضمان التوافق بين الأنظمة المترابطة.
وقد أسهم استكمال مشروع الربط الكهربائي الخليجي في تحقيق توازن أكبر في الأنظمة الكهربائية، وخفّض بشكل ملحوظ الحاجة إلى تشغيل وحدات توليد إضافية لمواجهة الأعطال المفاجئة، وهو ما يُعرف بالاحتياطي التشغيلي الدوّار (Spinning Reserve). وتشير التقديرات إلى أن هذا الاحتياطي وفّر ما لا يقل عن 300 مليون دولار سنوياً لكل نظام كهربائي في دول الخليج، وتزداد الفائدة بشكل أكبر عند تفعيل اتفاقيات تبادل الطاقة، كما هو الحال بين الأردن ومصر، حيث يتم استغلال فائض التوليد منخفض الكلفة بين البلدين.
إن ما سبق يدعونا للتأكيد على أنه لو تم تحقيق ربط كهربائي متكامل بين الدول والأنظمة الإقليمية، بما في ذلك تركيا وهي عضو في الربط الثماني والتي يتميز نظامها الكهربائي بقدرات عالية ومساهمة كبيرة للطاقة المتجددة تتجاوز 47% بفضل محطات الطاقة الكهرومائية، لكان بالإمكان تقليل المخاطر الناجمة عن الأزمات الإقليمية، خاصة تلك التي تؤثر على سلاسل التوريد، لا سيما في دول الخليج.
إن الظروف التي عصفت ولا تزال تعصف بالمنطقة تفرض على الدول العربية، بما فيها دول الخليج، إعادة النظر في سياساتها الطاقوية، من خلال تعزيز التعاون المشترك بين الأنظمة الكهربائية، وتفعيل أو إعادة ترتيب اتفاقيات تبادل الطاقة بما يسمح بانسياب الأحمال الكهربائية تلقائياً بين الدول. لان ذلك يشكل أهمية كبيرة ويساهم في مواجهة مخاطر انقطاع سلاسل التوريد المرتبطة بالمشتقات النفطية أو الغاز الطبيعي.
أما في الأردن، فنؤكد على ما يلي:
• تسريع الربط الكهربائي مع السعودية، في ضوء اختلاف أوقات الذروة بين البلدين، والفروقات الكبيرة في الأحمال الموسمية، بما يتيح الاستفادة من انخفاض الطلب في الشتاء في السعودية واستجرار طاقة منخفضة الكلفة إلى الأردن، وكذلك تصدير الفائض الأردني خلال فصلي الربيع والخريف إلى شمال السعودية، وذلك ضمن اتفاقيات تبادل واضحة.
• تعزيز الربط مع مصر، بما يتيح زيادة كميات التبادل الكهربائي بين البلدين، والاستفادة المثلى من فروقات كلف التوليد واستقرارية الشبكات الكهربائية،وذلك استنادا الى الفوائد التي تم تحقيقها جراء التعامل والتعاون الثنائي بين البلدين الشقيقين طيلة عمر الربط الاردني المصري الاردني الذي ناهز الثلاثة عقود.
• تطوير شبكة النقل في المنطقة الشرقية، ورفع جهدها من 132 كيلوفولت إلى 400 كيلوفولت، لتهيئة البنية التحتية اللازمة للربط مع العراق، خاصة في ظل الاتفاق القائم لتزويد مناطق غرب العراق بالطاقة من الشبكة الأردنية.
• إحياء مشروع خط أنابيب البصرة–العقبة، لما له من أهمية استراتيجية في تمكين العراق من تصدير نفطه، وتعزيز أمن التزود بالطاقة في الأردن.
• دعم الأشقاء في سوريا من خلال المساهمة في تأهيل الشبكة الكهربائية، عبر جهد إقليمي تقوده الأردن لتأمين التمويل اللازم، والاستفادة من الخبرات الأردنية المتراكمة. وعقب جاهزية الشبكة، يمكن استئناف الربط الكهربائي بين الأردن وسوريا، مع إمكانية إشراك لبنان عبر الشبكة السورية.
وفي الختام، فإن تحقيق ربط كهربائي عربي وإقليمي متكامل ، وبمشاركة الأنظمة الخليجية عبر النظام السعودي، إلى جانب النظام التركي الذي يتمتع بتنوع كبير في مصادر الطاقة، حيث تصل مساهمة الطاقة المتجددة (الكهرومائية، الشمسية، والرياح) ،يمثل ركيزة أساسية لتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية، وتعزيز التكامل العربي والإقليمي، بما يحقق المصالح المشتركة، ويعزز القدرة على مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية.
والله من وراء القصد