من ساحة صراع الى مفهوم قوة .. هل يملك العرب خيارهم ؟
حجازي البحري المحاميد
04-04-2026 05:02 PM
في ظل التصعيد المتسارع في المنطقة، وتزايد حدة المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تعود منطقة الشرق الأوسط إلى واجهة الأحداث بوصفها ساحة صراع مفتوحة على احتمالات خطيرة. وبين حديثٍ إسرائيلي متكرر عن “إعادة تشكيل المنطقة”، وطموحاتٍ إيرانية للتمدد وتعزيز النفوذ، تجد الدول العربية نفسها أمام واقع استراتيجي معقد، يضعها – فعلياً – بين ضغوط متقابلة من الشرق والغرب.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في طبيعة هذه الضغوط، بل في مدى استعداد المنطقة للتعامل معها بوعيٍ واستقلالية. فالتجارب السابقة أثبتت أن الارتهان للتحالفات الخارجية، مهما بدت ضرورية في لحظة معينة، لا يفضي بالضرورة إلى استقرار طويل الأمد. بل على العكس، قد يعمّق من حالة التبعية، ويحدّ من قدرة الدول على صياغة قراراتها السيادية بشكل مستقل.
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة لمنظومة الأمن العربي، ليس فقط من الناحية العسكرية، بل أيضاً من حيث الرؤية الاستراتيجية المتكاملة. فالدعوة إلى بناء قوة دفاعية عربية مشتركة، أو تطوير منظومات عسكرية ذاتية، لم تعد ترفاً سياسياً أو خطاباً نظرياً، بل أصبحت ضرورة تمليها طبيعة التحديات الحالية. غير أن تحقيق ذلك يتطلب أكثر من مجرد إعلان نوايا؛ إذ يستوجب تنسيقاً حقيقياً بين الدول، وتكاملاً في القدرات، واستثماراً طويل الأمد في التكنولوجيا والصناعات الدفاعية.
وفي موازاة ذلك، لا يمكن إغفال أهمية الدور الدبلوماسي. فالعالم اليوم لا يُدار بالقوة العسكرية وحدها، بل بتوازن دقيق بين القوة الصلبة والناعمة. ومن هنا، فإن بناء سياسة خارجية عربية فاعلة يتطلب خطاباً واضحاً، وقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف الدولية، لعرض وجهة النظر العربية والدفاع عن مصالحها ضمن منظومة العلاقات الدولية المعقدة.
كما أن تصنيف العالم إلى “محاور خير وشر” قد لا يكون كافياً لفهم تعقيدات المشهد الدولي، حيث تحكم العلاقات الدولية شبكة معقدة من المصالح والتوازنات، تتجاوز الشعارات والتوصيفات المبسطة. وعليه، فإن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في بناء موقف عربي مستقل، قادر على التعامل مع مختلف القوى الدولية وفقاً لمصالحه، دون الانخراط في تبعيات جديدة.
إن اللحظة الراهنة، رغم ما تحمله من مخاطر، قد تشكّل أيضاً فرصة لإعادة التفكير في أولويات العمل العربي المشترك. فالقوة الحقيقية لا تُبنى فقط عبر الجيوش، بل من خلال اقتصاد متماسك، وتعليم متطور، وبنية مؤسسية قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه بكفاءة. ومن دون ذلك، ستظل أي محاولة لبناء قوة إقليمية محدودة الأثر، وعرضة للتقلبات.
في المحصلة، لا يتعلق الأمر فقط بوجود تهديدات خارجية، بل بمدى قدرة المنطقة على صياغة مشروعها الخاص. فالتاريخ لا يرحم الفراغ، ومن لا يمتلك رؤية واضحة لمستقبله، سيجد نفسه – عاجلاً أم آجلاً – جزءاً من رؤية الآخرين.