facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss




مراجعات استراتيجية في أداء البنوك الأردنية 2025


د. محمد فخري صويلح
04-04-2026 11:56 PM

* استقرار مُدار أم نموذج يحتاج إعادة تعريف؟

في قراءة تحليلية لتقرير تحليل أداء البنوك التجارية الأردنية لعام 2025 الصادر عن البنك المركزي الأردني، تتضح ملامح مرحلة دقيقة يمر بها القطاع المصرفي الأردني،، مرحلة لا يمكن توصيفها بالأزمة، لكنها بالتأكيد ليست حالة استقرار تقليدي يمكن الركون إليها.

القطاع اليوم يقف في منطقة وسطى بين متانة مؤسسية واضحة من جهة، وتحولات هيكلية عميقة من جهة أخرى،،، وهذا التداخل بين الاستقرار والتحول هو ما يستوجب قراءة مختلفة، تتجاوز الأرقام إلى فهم ديناميكيات النموذج المصرفي ذاته.

من حيث المؤشرات الأساسية، لا خلاف على أن القطاع المصرفي الأردني يتمتع بدرجة جيدة من المتانة،،، نسب كفاية رأس المال والسيولة تعكس قدرة واضحة على امتصاص الصدمات، كما أن الأداء العام يشير إلى استقرار نسبي في ظل بيئة إقليمية ودولية مضطربة،،، غير أن هذه المتانة، رغم أهميتها، لا يمكن اعتبارها مطلقة أو دائمة،،، فهي مشروطة بقدرة البنوك على التكيف المستمر مع بيئة لم تعد مستقرة بطبيعتها.

وفي هذا السياق، يبرز عامل جوهري غالباً ما يتم تجاهله في القراءة السطحية للأداء، وهو أن جزءً مهماً من هذا الاستقرار يعود إلى قوة الإطار التنظيمي والرقابي، وليس فقط إلى كفاءة النماذج التشغيلية للبنوك،،، فالدور الذي يمارسه البنك المركزي الأردني في ضبط إيقاع القطاع المصرفي وتحديد الإطار العام لمساراته، من خلال السياسات الاحترازية والإشراف المستمر، كان حاسماً في تجنيب البنوك تقلبات حادة وحالات لا يقينية،،، إلا أن هذا الواقع يطرح تساؤلاً استراتيجياً لا بد من التوقف عنده،،، هل الاستقرار الحالي ناتج عن قوة داخلية مستدامة، أم أنه استقرار مُدار يعتمد بدرجة كبيرة على الحماية التنظيمية؟

في موازاة ذلك، يظهر التقرير تطوراً ملحوظاً في قدرات إدارة المخاطر داخل البنوك الأردنية،،، فلم تعد إدارة المخاطر وظيفة امتثالية تقليدية أو ممارسة روتينية، بل أصبحت جزءً من منظومة اتخاذ القرار واستشراف المستقبل،،، هذا التحول ساهم بشكل مباشر في قدرة القطاع على امتصاص تداعيات أزمات متلاحقة، بدءً من جائحة كورونا وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية في الإقليم،،، إلا أن التحدي الحقيقي لم يعد في تطوير أدوات إدارة المخاطر، بل في القدرة على التعامل مع طبيعة المخاطر نفسها.

فالبيئة التشغيلية التي تعمل فيها البنوك اليوم لم تعد قائمة على صدمات دورية يمكن التنبؤ بها، بل أصبحت بيئة ضغط مستمر،،، التضخم، وارتفاع أسعار الفائدة، وتقلبات الأسواق الإقليمية، لم تعد أحداثاً استثنائية، بل تحولت إلى معاملات تفاعل دائمة في معادلة العمل المصرفي،،، وهذا التحول يفرض على البنوك إعادة النظر في افتراضاتها الأساسية، وليس فقط في أدواتها وممارساتها التشغيلية.

ومن أبرز القضايا التي يسلط التقرير الضوء عليها استمرار اعتماد البنوك على مصادر دخل تقليدية، وعلى رأسها صافي دخل الفوائد،،، ورغم بعض الجهود لتنويع الإيرادات من خلال الخدمات المصرفية والعمولات، إلا أن هذا التحول لا يزال تدريجياً ولم يصل إلى مستوى يعكس إعادة تصميم لكينونة نموذج الأعمال المعمول به في المصرفية الأردنية ،، هذا الاعتماد المرتفع على مصدر واحد للدخل يشكل نقطة ضعف هيكلية في بنية النظام، خاصة في بيئة تتسم بتقلب أسعار الفائدة واشتداد المنافسة بين البنوك.

في المقابل، لا يمكن إغفال أن القطاع المصرفي الأردني أظهر قدرة واضحة على التكيف مع الأزمات،،، هذه القدرة تعكس مرونة مؤسسية تستحق التقدير، لكنها تثير في الوقت ذاته تساؤلاً مهماً مفاده،،، هل التكيف الذي نشهده هو تكيف تكتيكي قصير الأمد، أم أنه يعكس تحولاً استراتيجياً طويل الأمد في طريقة عمل البنوك؟

التقرير يشير كذلك إلى تحول نوعي في طبيعة المخاطر التي تواجه القطاع، حيث أصبحت المخاطر الجيوسياسية جزءً من عملية التخطيط الاستراتيجي، وليس مجرد عامل خارجي طارئ،،، هذا يعني أن قرارات التمويل والاستثمار لم تعد تعتمد فقط على المؤشرات الاقتصادية التقليدية، بل أصبحت مرتبطة بتقديرات أكثر تعقيداً تتعلق بالاستقرار الإقليمي والدولي.

وفي هذا الإطار، تبرز معادلة دقيقة تتعلق بالبيئة التنظيمية،،، فمن ناحية، تشكل الرقابة المصرفية عاملاً أساسياً في تعزيز الاستقرار، ومن ناحية أخرى قد تؤدي إلى إبطاء وتيرة الابتكار إذا لم يتم تصميمها بشكل يوازن بين الضبط والمرونة،،، ولعل التحدي هنا ليس في وجود الرقابة، بل في قدرتها على مواكبة التحولات دون أن تتحول إلى قيد هيكلي على التطوير.

لكن المراجعة الأهم التي يفرضها التقرير تتجاوز الجوانب التشغيلية والرقابية لتصل إلى جوهر الدور الاقتصادي للبنوك،، فالجميع يدرك أنه لم يعد كافياً أن تظل البنوك في إطار الوساطة المالية التقليدية، بل أصبح مطلوباً منها أن تلعب دوراً أكثر فاعلية في دعم الاقتصاد الحقيقي، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية التي تشكل أساس النمو المستدام،، وهنا يأتي دور البنوك الإسلامية الأردنية بوصفها الأقدر أن تكون لاعباً حقيقياً في هندسة اقتصاد مستدام قائم على شراكة حقيقية بين القطاع المصرفي الإسلامي والمكونات البنيوية في كينونة الاقتصاد الحقيقي .

إن الانتقال من نموذج التمويل التقليدي إلى نموذج الشراكة في التنمية الاقتصادية يمثل التحدي الحقيقي للمرحلة القادمة،،، فالبنوك التي ستنجح لن تكون تلك التي تحافظ على استقرارها فقط، بل تلك التي تعيد تعريف دورها ضمن المنظومة الاقتصادية بشكل أكثر ديناميكية وتأثيراً.

في المحصلة، ما يعكسه تقرير أداء البنوك الأردنية لعام 2025 ليس مجرد صورة إيجابية لقطاع مستقر، بل إشارة واضحة إلى دخول مرحلة مفصلية تتطلب مراجعة عميقة لنموذج العمل المصرفي،،، فالاستقرار الحالي يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يشكل ضمانة كافية للمستقبل ما لم يُترجم إلى تحول استراتيجي حقيقي يشمل تنويع مصادر الدخل، وتعزيز إدارة المخاطر، وإعادة تعريف دور البنوك في الاقتصاد.

إن القطاع المصرفي الأردني يمتلك المقومات التي تؤهله لعبور هذه المرحلة بنجاح، لكن ذلك يتوقف على مدى قدرته على الانتقال من إدارة الاستقرار إلى صناعة المستقبل،، وهو ما نؤمل جميعاً حدوثه بثقة واقتدار وديناميكية.

* مستشار المصرفية الإسلامية والحوكمة والاستثمار





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :