facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




من حقك ألا يكون لك بيت


إبراهيم غرايبة
05-04-2026 09:38 AM

"كل من يفكر كثيراً يجب أن يتجول كثيراً"

يتجول في شوارع سان فرانسيسكو، المدينة الأغلى معيشة في الولايات المتحدة، مجموعات كبيرة من المتشردين والهائمين على وجههم (Homeless) ممن اختاروا أن يعيشوا على الأرصفة، ويصدرون صحيفة خاصة بهم اسمها الشارع “The Street” ويختار الكثير من الهائمين على وجههم سان فرنسيسكو لأنها المدينة الأكثر ليبرالية في الولايات المتحدة وربما في العالم.

حيث ينظر الكثير إلى التشرد باعتباره حقاً أو فلسفة في الحياة، فمن حقك ألا يكون لك بيت أو مكان تأوي إليه، هكذا أجاب أحد النشطاء في العمل العام، وهو أحد الأثرياء ورجال الأعمال في المدينة، ويشتري صحيفة المتشردين "الشارع" بكميات كبيرة تشجيعاً لهم.

لست متعاطفاً مع معظم المتشردين في الولايات المتحدة، وبخاصة أنهم يتلقون من الحكومة مساعدات مالية كبيرة تكفي لحياة مستقرة وكريمة، ولأن الكثيرين منهم في الحقيقة يفضلون التشرد للإنفاق على الكحول والمخدرات، ولكن هذا لا ينفي أن لدى بعضهم فلسفة في التجوال والتحرر المبالغ فيه. هذه المقدمة (ربما ليست مناسبة) هي للحديث عن شعوب ومجتمعات قائمة على أساس عدم الاستقرار، ولكنها أسست في نمط حياتها هذا أشكالاً مهمة ورائعة للتوازن بين الإنسان والطبيعة، وأغنت الإنسانية بفلسفات وأساطير وثقافات مستمدة من الرحيل والمغامرة والبطولة والعشق.

ومن أشهر وأهم هذه المجتمعات "البدو" الذين نعرفهم في معظم الدول العربية، ولكنهم "البدو" ليسوا الشكل الوحيد لمجتمعات الرحيل وعدم الاستقرار، ففي أنحاء العالم المختلفة شعوب ومجتمعات كثيرة جداً ما زالت تعيش بطريقة هي نفسها بدأت بها البشرية منذ فجر التاريخ. مثل "الموكين" في تايلند وميانمار، والهنود الحمر في القارة الأمريكية والأستراليين الأصليين، و "التساتان" في منغوليا وآسيا الوسطى، والأسكيمو، وغيرهم كثير.

يعتمد البدو على رعي المواشي في الصحارى والجبال. واستطاعوا أن يكيفوا نظاماً اقتصادياً واجتماعياً مكنهم من الحياة والاستمرار والإنتاج في ظروف بالغة القسوة. وهم يعتمدون على أنفسهم في إنتاج الطعام، وما زالوا يقدمون مساهمتهم للتوازن الاقتصادي للبلاد، فرعوية الرحل بالذات ما زالت هي أفضل ضمان ضد التدهور البيئي.

ربما كان البدو العرب أحسن حالاً من غيرهم في دول العالم، وبخاصة في الأردن والخليج حيث يجدون تفاعلاً شعبياً ورسمياً، وتحظى حياتهم وثقافتهم بالاحترام والتقدير، ولكنهم أيضاً خسروا الكثير، وفي دول أخرى كثيرة يعانون من التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وقد أدى تنقلهم الكثير عبر حدود الدول التي نشأت فيما بعد إلى مشكلات كثيرة في الجنسية والهوية السياسية. كما يحدث للطوارق والفولاني في إفريقيا حيث ينتشرون في عدة دول (شمال إفريقيا ونيجيريا ومالي والنيجر) فأنظمة الحدود تتعارض مع نظام هجرتهم الموسمي كما أدى التقسيم السياسي إلى تمزقهم وتفرقهم. وكانت محاولات الدول لإخضاعهم للسيادة الوطنية ودمجهم في الحياة الحديثة كارثة مكلفة للدول والبدو أيضاً.

وينضم إلى البدو في التصنيف والرؤية شعوب "التساتان" في آسيا الوسطى، وهم تقوم حياتهم على تربية ورعي الغزلان، ويعيشون في خيام من الجلد ويتنقلون بين الأودية والسفوح والجبال تبعاً للمواسم وطريقة حياة الغزلان مقدمين للبيئة والحياة مجاناً أضعاف ما حققته الإدارات الحكومية والدولية للمحميات الطبيعية والمحافظة على الحياة البرية.

ليس البدو هم الرحل فقط في العالم، ففي الغابات الاستوائية في أمريكا وإفريقيا وآسيا تعيش شعوب كثيرة مستقلة تعتمد على الصيد وجمع الثمار والأطعمة التي تنتجها الطبيعة الغنية، ومن أشهر هذه الشعوب "الماكو" الذين يعيشون في غابات الأمازون.

وربما لا تكون هذه التسمية أصلية بل أطلقها عليهم المستوطنون الأوروبيون وتقوم حياة الماكو على صيد السمك وجمع الثمار ومواد الغابة اللازمة لصنع الأدوات الأساسية وبناء المأوى، ويتحركون في الغابات حسب الفصول ومواسم الثمر والصيد ويعيشون في العراء أو تحت الأشجار، وفي فترة الاستقرار في عرائش من أغصان الأشجار والأخشاب، ويصفهم هوارد ريد (منتج أفلام بريطاني) بأنهم يعشقون الطبيعة، ويجدون سعادة عظمى في الحديث مع الطيور والحيوانات والبحث عن العسل والصيد استجابة لدافع عميق في أنفسهم وحياتهم، وفرصة لحل الخلافات وللتفاهم أيضاً، فطالما أن الإنسان يستطيع أن ينتقل فإن حاجة الآخرين إليه ستحقق نظاماً من الاحترام والتفاهم المتبادل، فإذا أساء قائد مجموعة سلطته فسيجد نفسه بلا جماعة يقودها، وهم لذلك يرفضون أن يتلقوا أوامر من أحد أو يخضعوا لسلطة.

وقد أخضع الماكو لبرامج تعليمية وتبشيرية ومحاولات لربطهم بالأرض والإنتاج الزراعي ولكنها أدت كما يقولون هم إلى تحويل حياتهم إلى حزن ومرض وموت!!

ومن أطرف وأغرب الشعوب المرتحلة هم شعب الموكين الذين يرتحلون في البحر في خليج البنغال، حيث يعيشون في قوارب بدائية متنقلة تجوب الخليج ويتجنبون كل اتصال بالعالم الخارجي، ويعتمدون على صيد الأسماك بالرمح ويرتدون فقط ما يستر عوراتهم، وبرغم أنهم يتقنون الزراعة فإنهم يمارسونها رمزياً، ويرفضون أي تجديدات تقنية تزيد من إنتاجهم مثل مصايد الأسماك والشباك، واختاروا عن عمد أسلوب معيشتهم، وحين يجيء موسم المطر يعيش الموكين على ضفاف البحر في جزر الأرخبيل ويزرعون الأرز والمحاصيل لكنهم لا يأكلونها وإنما يستخدمونها في طقوسهم الدينية.

وترتبط حياتهم الغربية بأسطورة يعتقدون بها جعلتهم برغم كل التغيرات السياسية والحضارية التي هبت عليهم والضغوط الاستعمارية والحكومية التي تعرضوا لها جعلتهم يلتزمون بهذا النمط في الحياة.

وملخص هذه الأسطورة أن ملكتهم سيبيان تزوجت من جامان وهو مسلم مالاوي (وقد يشير ذلك إلى نمط الحياة الزراعية والتغير الحضاري الذي حدث للمنطقة بمجيء الإسلام) ولكن جامان وقع في عشق أخت الملكة الصغرى "كين" فغضبت الملكة وأصدرت مرسوماً بمنع الحياة على اليابسة، وأمرت بإلقاء أختها كين في البحر، وهكذا أصبح الموكين محكوم عليهم بالعيش في البحر معزولين عن جذورهم الأرضية ومحرومين من الكرم الملكي، وقد ترمز الأسطورة إلى مكافحة التغيير القادم من الحياة الزراعية والدين الإسلامي الجديد الذي عمّ المنطقة، والتمسك بنمط الحياة والثقافة التي تعود إلى فجر التاريخ.

وهي أسطورة تشبه الأسطورة الغجرية العربية فيعتقد الغجر العرب أو الذين يعيشون في الوطن العربي أنهم من بني هلال القبيلة العربية المشهورة وأنهم من جماعة جساس الذي انتصر عليهم الزير سالم فحكم عليهم بأن يظلوا مرتحلين وحظر عليهم حمل السلاح وتربية المواشي. وهم في نمط حياتهم هذا يستجيبون لأمر الزير سالم. ولكن المرجح أن الغجر هاجروا من الهند (بمفهومها الجغرافي القديم) وعندما استقروا بجوار العرب ضمتهم بعض القبائل العربية إليها لزيادة عدد المقاتلين ولاستخدامهم في أعمالهم المختلفة.

إن الشعوب المرتحلة مهددة اليوم في ثقافتها ووجودها وتتضرر تبعاً لذلك البيئة وأنماط من الحياة والثقافة يمكن أن تغني العالم وتعدد الموارد وتضفي عليها تنوعاً وروحية، ومن العار على البشرية أن تشتغل بحماية حيوانات وطيور مهددة بالانقراض وتترك شعوباً بأكملها تتعرض للتصفية والاضطهاد والإلغاء.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :