عندما يفتك "اقتصاد الأزمات" بثقة المواطنين
فيصل تايه
05-04-2026 09:44 AM
بينما تتسارع الأحداث على الساحة الإقليمية بوتيرة متلاحقة، ويخيم ثقل الأزمة على تفاصيل حياتنا اليومية، لم يعد ما يجري في كواليس الأسواق المحلية ودهاليزها مجرد أرقام صاعدة أو تقلبات عابرة في بورصة الأسعار بين ليلة وضحاها، بل غدا انعكاساً عميقاً لواقع أكثر تعقيداً وتشابكاً ، لنجد أنفسنا أمام "تعرية أخلاقية" واضحة ، وصورة جلية، بل ومؤلمة، لما يحدث حين يغيب الوازع والضمير، وحين يتحول الطمع إلى سياسة صامتة تُمارس في خفاء المستودعات، وحين يصبح استغلال الظروف العصيبة نهجاً للاستقواء على لقمة عيش المواطن البسيط الذي لا يملك من أمره إلا الصبر.
وما يزيد من وطأة هذا المشهد، أن هذه الممارسات لا تجري في الخفاء ، بل تكاد تمارس بجرأة تلامس العلن، في ظل غياب لرقابة فاعلة، أو تراخ في محاسبة من حولوا معاناة الناس إلى فرصة للربح غير المشروع ، فحين تصبح الأزمات موسماً للاحتكار، وترتفع الأسعار بلا مبرر أخلاقي أو منطقي، يتعمق الشعور بالخذلان، ويتسع الشرخ في العلاقة بين الناس وواقعهم .
وهنا، لا تتجلى الأزمة في بعدها الاقتصادي فقط، بل في تآكل الثقة بين المواطن والسوق، وبين المواطن وكل منظومة يفترض أن تحميه ، ليغدو السؤال الأكثر إلحاحا: إلى متى يبقى المواطن الحلقة الأضعف في معادلة يُفترض أنها وجدت لخدمته لا لاستنزافه؟
الناس ، بوعيهم الفطري وحسهم الوطني ، يدركون يقيناً أن بعض السلع التي تُعرض اليوم بأسعار فلكية لم تتأثر بأي اختناق حقيقي في سلاسل التوريد ، ويعرفون جيداً أن السلع التي تُباع اليوم بأسعار خيالية لم تتأثر بأي زيادة حقيقية في كلف الشحن أو الاستيراد، ولم تصلهم من المنشأ بأسعار أعلى في غضون أيام قليلة.
الحقيقة التي لا يمكن حجبها بغربال التبريرات هي أن هذه السلع كانت "رابضة" أصلاً قبل الأزمة، في مستودعات التجار ومخازنهم، حيث تُخزن ، وربما أصبحت تُحجب عمداً انتظاراً لساعة "الرفع الاستباقي" الغاشم وغير الأخلاقي، حتى تتضاعف الأرباح على حساب كدح المواطن العادي الذي يكافح فقط ليحصل على رغيف خبز، أو كيس أرز، أو حتى جرعة ماء يسد بها رمق عياله ، ما يشكل "جرس إنذار" وقرينة إدانة على نموذج استغلالي يختبر صبر الناس وانتماءهم.
إن ما نشهده من "تعطيش متعمد" للسوق ليس تجارةً، بل هو "حرب استنزاف" داخلية لجيوب الناس، وانتهاك صارخ لكل ميثاق مهني وإنساني ، فالاسعار الجديدة للكثير من السلع الاستهلاكية شكلت "علامة فارقة" على نموذج كامل للاستغلال، ناهيك عما نشهده من إخفاء متعمد لبعض السلع الأساسية ، لخلق شعور زائف بالنقص، حتى يجد المواطن نفسه مرغماً على القبول بأي سعر يفرضه المحتكر، مهما كان جائراً ، فهذا السلوك ليس إلا حرباً داخلية على جيوب الناس، وانتهاكاً صارخاً لكل ميثاق مهني وإنساني، فالمواطن يرى بعينه كيف يُنظر إليه كمجرد رقم في معادلة الأرباح، ويلمس بيده أن حركة السوق تسير باتجاه مختلف تماماً، وأن طمع المحتكر يسبق دائماً خطوات الرقابة .
بالمقابل تخرج التصريحات الرسمية لتؤكد أن المخزون الاستراتيجي آمن ، وأن "كل شيء تحت السيطرة"، وهنا تكمن المعضلة ، فالفجوة العميقة بين "الإعلان الرسمي" و"واقع الرفوف" فهي للأسف لم تعد تجد لها صدى في الشارع ، وهي التي تجعل كل وعد رسمي يتبخر في ذهن المواطن بمجرد دخوله "المول" فهو يعلم أن المخزون موجود، لكنه يرى أرقاماً فلكية تُكتب بخط اليد على السلع القديمة، ويشعر بطعم "الجشع" في كل عملية شراء، مدركاً أن هناك من يراكم الثروات من عرق جبينه وقلقه اليومي ، ما يجعل الوعود الحكومية بلا صدى أمام مرارة الواقع.
إن المطلوب اليوم لا يحتاج إلى "معجزات" أو وعود فضفاضة ، المطلوب هو إرادة سياسية صلبة تضرب بيد من حديد، وتفعيل فوري وحازم للمواد القانونية، وعلى رأسها المادة (٧) من قانون الصناعة والتجارة الأردني، التي تمنح الدولة حق التدخل لفرض أسقف سعرية عادلة حين يختل توازن السوق ، فالمطلوب هو فرض رقابة صارمة وشاملة على "المخازن" قبل أن تصل البضائع إلى الرفوف، ومحاسبة كل من يخلق أزمة داخلية مفتعلة بهدف التربح غير المشروع ، اذ يجب أن تُربط أسعار السلع بتاريخ دخولها للمملكة عبر نظام "التتبع السعري"، ليمنع تغول الأرباح الآنية على المخزون القديم.
إن بقاء الأمور على هذا النحو لن يؤدي فقط إلى استمرار ارتفاع الأسعار، بل سيؤدي إلى تصدع عميق في السلم المجتمعي ، وشعور بأن المواطن هو "الحلقة الأضعف" دائماً ، لكن ليعلم الجميع أن المواطن يراقب، ويحاسب، ويميز بين الحق والباطل، وهو ينتظر من "الدولة" أن تتحرك كحام حقيقي له، قبل أن يتحول هذا الغلاء غير المبرر إلى قاعدة مقبولة، وقبل أن تصبح كل محنة إقليمية فرصة ذهبية للطامعين.
لقد حان وقت إيقاظ الضمير ، ضمير التاجر، وضمير المسؤول، وضمير المجتمع بأسره، فنحن اليوم أمام اختبار حقيقي لا يُقاس بالكلام بل بالمواقف ، ما يحتاج الى وقفة حازمة وتصحيح مسار عاجل ، فلم يعد المواطن مجرد متفرج في مسرحية الأسعار، بل هو قلب هذا الوطن والمقياس الحقيقي لنجاح أي سياسة، فيما كل يوم تأخير في كبح جماح الاحتكار يعني مزيداً من ضياع الحقوق وتعميق الفجوة بين الناس والنظام الاقتصادي.
وفي ظل هذا المشهد، نقف جميعاً أمام خيار تاريخي واضح: إما أن نكون جزءاً من حل وطني يعيد التوازن والعدالة، أو أن نرضى لأنفسنا أن نكون جزءاً من المشكلة التي تستنزف الاستقرار وتغذّي “طبقة الأزمات” التي تراكم أرباحها على حساب الفقراء والثقة العامة.
نحن اليوم أمام لحظة فاصلة؛ إما أن نعيد التوازن للسوق ونوقف هذا الاستنزاف ، أو نسمح لـ "اقتصاد الأزمات" أن يتسيد المشهد، ونترك المواطن أعزلاً في مواجهة جشع لا يرحم.
الرسالة اليوم واضحة وضوح الشمس: الضمير، القانون، والمحاسبة الرادعة يجب أن يكونوا حاضرين الآن ، قبل أن يتحول كل يوم جديد إلى فرصة مفتوحة للطمع، وكل أزمة إلى كارثة داخلية مستمرة .
المواطن ينتظر ، والوطن لا يحتمل التأخير ..
والله المستعان