facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الصين تنتصر على أميركا… دون أن تحرك جنديًا واحدًا


سمير حمدان - بودابست
05-04-2026 12:45 PM

* حين تنشغل أميركا بالحرب… تعيد الصين كتابة الاقتصاد العالمي

ليست الحرب على إيران مجرد صراع إقليمي، بل لحظة يُعاد فيها تعريف ميزان القوة العالمي، لحظة لا يُحسم فيها النفوذ بما يحدث في الميدان، بل بما يتغيّر خارجه، بهدوء، حيث تُستهلك القوة في إدارة الصراع، وتُبنى في مكان آخر دون أن تُرى.

في الظاهر، تبدو الولايات المتحدة القوة الأكثر حضورًا، إنفاق عسكري يتجاوز 800 مليار دولار سنويًا وفق تقديرات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، وانتشار عالمي واسع، لكن هذه القوة تُستخدم باستمرار، لا تُختزن، تتحرك بين جبهات متعددة، من أوروبا إلى الشرق الأوسط، في نمط يجعلها أكثر انخراطًا وأقل قدرة على إعادة تشكيل البيئة التي تتحرك فيها.

في نموذج تُستهلك فيه القوة أسرع مما تُعاد بناؤها، يتحول التفوق العسكري من أداة حسم إلى عبء استراتيجي، ومع كل جبهة جديدة، لا يتوسع النفوذ بقدر ما يتوزع، ولا يتعمق التأثير بقدر ما يتآكل التركيز، وهنا لا تكون المشكلة في حجم القوة، بل في طريقة استخدامها.

في المقابل، تتحرك الصين ضمن منطق مختلف، لا يقوم على المواجهة، بل على إعادة بناء البنية التي يقوم عليها العالم نفسه، حيث تمثل اليوم نحو 30% من التصنيع العالمي، مقابل أقل من 17% للولايات المتحدة، كما أصبحت الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة، ما يعني أن النفوذ لم يعد يُقاس فقط بالقوة، بل بمدى تشابك الاقتصاد مع العالم.

الحرب المرتبطة بإيران تكشف هذا التحول بوضوح، فمع مرور نحو 20% من تجارة النفط العالمية عبر مضيق هرمز، وفق وكالة الطاقة الدولية، يصبح أي اضطراب عاملًا مباشرًا في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، ومع كل ارتفاع في الأسعار، تنتقل الكلفة من ساحة المواجهة إلى كل اقتصاد في العالم.

الأرقام هنا لا تعكس مجرد تأثير مؤقت، بل مسارًا عميقًا، إذ تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن كل ارتفاع بنحو 10 دولارات في أسعار النفط يمكن أن يخفض النمو العالمي بما يقارب 0.2 إلى 0.3%، ما يعني أن الحرب لا تنتظر نهايتها لتؤثر، بل تعيد تشكيل الاقتصاد أثناء حدوثها.

وفي لحظة تُدار فيها هذه الحرب، تقف الولايات المتحدة على أرضية مالية أكثر هشاشة، حيث تجاوز الدين العام 34 تريليون دولار، ما يجعل كل تصعيد إضافي لا يُقاس فقط بنتائجه العسكرية، بل بكلفته التراكمية على القدرة الاقتصادية، وهنا يتحول الزمن من عنصر قوة إلى عامل استنزاف.

في هذه البيئة، لا تحتاج الصين إلى خوض الحرب لتؤثر فيها، يكفي أن تكون أكبر مستورد للطاقة في العالم، بما يزيد عن 11 مليون برميل يوميًا، لتصبح لاعبًا قادرًا على إعادة توجيه الطلب العالمي، وإعادة رسم العلاقات الاقتصادية، حيث تتحول الطاقة من مصدر صراع إلى أداة نفوذ.

لكن التحول الأعمق يحدث بعيدًا عن الطاقة، في البنية التي تُبنى خارج الصراع، حيث تمتد شبكات الصين الاقتصادية عبر أكثر من 150 دولة، ما يجعلها ليست مجرد قوة اقتصادية، بل مركزًا لإعادة تنظيم العلاقات العالمية، قائمًا على الاستمرارية لا المواجهة.

وفي الوقت الذي تُدار فيه الحروب بمنطق التصعيد، تتحرك الصين بمنطق مختلف، لا يقتصر على الاقتصاد، بل يمتد إلى تثبيت علاقاتها السياسية والاقتصادية، من شراكتها مع روسيا، إلى توسيع حضورها في آسيا، وصولًا إلى تعميق علاقاتها مع دول الخليج، حيث لا تُبنى هذه العلاقات على ظرف مؤقت، بل على تصور طويل الأمد لمرحلة ما بعد الحرب، مرحلة تبحث فيها الدول عن الاستقرار أكثر من الاصطفاف.

هذا النوع من النفوذ لا يظهر في لحظة المواجهة، بل في القدرة على الخروج منها بعلاقات أكثر تماسكًا، وموقع أكثر استقرارًا، وهو ما يجعل نتائج الحرب لا تُحسم فقط بما يحدث خلالها، بل بما تعيد تشكيله بعدها في موازين الاقتصاد والتحالفات.

المفارقة أن الحروب التي تُدار بهدف تثبيت التوازن قد تؤدي إلى تغييره، ليس لأن من يخوضها يخسر مباشرة، بل لأن من لا يخوضها يستفيد من كل لحظة استنزاف، لأن كل أزمة تخلق فراغًا، وكل فراغ يُعاد ملؤه من قبل من يملك القدرة على التحرك خارجه.

تشير البيانات إلى أن آسيا تمثل اليوم أكثر من نصف النمو العالمي، ما يعني أن مركز الثقل يتحرك بالفعل، ليس عبر إعلان سياسي، بل عبر تراكم اقتصادي، ومع كل أزمة تُدار عسكريًا، تتسع المساحة التي يُعاد تشكيلها اقتصاديًا، بعيدًا عن ضجيج المواجهة.

التاريخ لا يعيد نفسه حرفيًا، لكنه يرسل إشارات واضحة، ففي نهاية عشرينيات القرن الماضي، دخلت الولايات المتحدة أزمة كبرى مع انهيار الأسواق عام 1929 في عهد هربرت هوفر، ولم تكن المشكلة في الصدمة وحدها، بل في التأخر في فهمها، وهو ما حوّل أزمة مالية إلى كساد عالمي.

اليوم، لا تتكرر الظروف نفسها، لكن التشابه يكمن في المنطق، ضغوط اقتصادية متزايدة، صراعات مفتوحة الكلفة، ونظام يُدار تحت ضغط دائم، حيث يمكن لأي خطأ في التقدير أن يحوّل التوتر إلى أزمة أوسع، ليس لأن التاريخ يعيد نفسه، بل لأن تجاهل إشاراته يجعل نتائجه أكثر قسوة.

الصين لا تنتصر لأنها تتقدم بسرعة فقط، بل لأنها تبني ببطء في الوقت الذي يستهلك فيه الآخرون قوتهم بسرعة، وهذا هو التحول الأخطر، أن يتحول استخدام القوة إلى سبب في تآكلها، لا في تعزيزها.

أنا لا أرى ما يحدث مجرد تنافس بين قوتين، بل انتقالًا في طبيعة القوة نفسها، من منطق الهيمنة العسكرية إلى منطق السيطرة الاقتصادية، ومن صراع مباشر إلى إعادة تشكيل غير معلنة، حيث لا تُفرض النتائج بالقوة، بل تُبنى عبر الزمن.

وخلال السنوات القادمة، لن يكون السؤال من يملك السلاح الأقوى، بل من يملك الاقتصاد الأكثر قدرة على الاستمرار، ومن يستطيع أن يجعل العالم يعتمد عليه دون أن يفرض ذلك بالقوة.

لأن العالم لا يُعاد تشكيله بمن ينتصر في الحرب،
بل بمن يكتب قواعده بعدها…

والصين لا تنتظر نهاية الحرب،
بل بدأت بالفعل .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :