الاستدامة القانونية في الضمان الاجتماعي
د. جاسر عبد الرزاق النسور
05-04-2026 05:03 PM
يُنظر إلى قوانين الضمان الاجتماعي على أنها عقد اجتماعي طويل الأمد يقوم على الثقة والاستدامة معًا فالضمان الاجتماعي نظام يمتد لعقود ويؤثر في أجيال متعاقبة من العمال والمتقاعدين وأصحاب العمل ولهذا يصبح أهم مؤشر لنجاح أي قانون فيه هو الاستدامة لأن القانون الذي لا يضمن الاستدامة المالية والاجتماعية يفقد قيمته حتى لو كان مكتوبًا بأفضل الصيغ
أزمة الضمان الاجتماعي هي وبكل صراحة أزمة إدارة قانون تحتاج إلى إعادة ضبط لأن القانون يمس أموال الناس لذلك يجب أن يُدار بأعلى درجات الشفافية والحوار والاحترام وليس على طريقة السلق فقانون تتشكل به ثقة المواطن بالوطن وأي إدارة تحسن إدارة الثقة تستطيع إدارة القانون وأي قانون لا يحقق الاستدامة لا يستطيع أن يعيش طويلًا في وجدان المجتمع
إن أهم مؤشر لنجاح القوانين الاجتماعية وفي مقدمتها قانون الضمان الاجتماعي هو قدرتها على تحقيق الاستدامة المالية دون المساس بالعدالة الاجتماعية فالاستدامة تعني أن يكون الصندوق قادرًا على الوفاء بالتزاماته لعقود قادمة وأن تكون الدراسات الاكتوارية واضحة وشفافة وأن تكون القرارات مبنية على أرقام لا على تقديرات وعلى رؤية طويلة المدى لا على معالجات قصيرة الأجل أما العدالة الاجتماعية فتعني حماية الحقوق المكتسبة وعدم تحميل الفئات الضعيفة كلفة الإصلاح وتحقيق التوازن بين العامل وصاحب العمل والدولة
وهنا يظهر التحدي الحقيقي في إدارة القانون كيف نحقق الاستدامة دون أن نخسر الثقة وكيف نصلح الخلل المالي دون أن يشعر المواطن أن حقوقه مهددة وكيف نعيد التوازن للصندوق دون أن يتحول الإصلاح إلى عبء على الناس هذه الأسئلة لا يجاب عنها بجلسة واحدة ولا بقرار سريع بل بحوار وطني عميق يشارك فيه الخبراء والنواب والمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية لأن الاستدامة مسار وطني طويل
إن الاستدامة في قوانين الضمان لا تتحقق فقط بالأرقام وإنما عندما يشعر المجتمع أن القانون بني على نقاش حقيقي وأن الدراسات الاكتوارية معلنة وأن الآراء المختلفة أخذت بعين الاعتبار فإن القبول العام يتعزز وتتحول الاستدامة من مفهوم مالي إلى استقرار اجتماعي أما حين تدار القوانين بعجلة الإجراءات وضيق الوقت فإن حتى القوانين الصحيحة قد تفقد ثقة الناس لأن الاستدامة تحتاج إلى ثقة والثقة تحتاج إلى شفافية والشفافية تحتاج إلى وقت ونقاش واحترام
كما أن الاستدامة هي حماية للدولة نفسها لأن الضمان الاجتماعي يمثل شبكة الأمان الأولى للمجتمع وإذا اهتزت هذه الشبكة اهتز معها الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ولهذا فإن على الدولة تبني حوار واسع ومراجعة بعناية ووضع كل الأرقام والبدائل أمام المجتمع لأن القانون المستدام هو القانون الذي يصمد أمام الزمن
إن إدارة قانون الضمان الاجتماعي يجب أن تقوم على معادلة واضحة استدامة مالية وعدالة اجتماعية وثقة مجتمعية حتى نصل إلى قانون ناجح وأي خلل في أحد هذه الأركان يضعف القانون مهما كانت نواياه جيدة إن قانون الضمان الاجتماعي وعد طويل الأمد بين الدولة والمجتمع وأهم مؤشر لنجاح هذا الوعد هو الاستدامة لأن الاستدامة تعني أن يبقى الصندوق قويًا وأن تبقى الحقوق محفوظة وأن تبقى الثقة قائمة
فالضمان الاجتماعي ثقة وطن والاستدامة هي العمود الذي يحمل هذه الثقة.
سيبقى الوطن راسخا في نزاهته وشامخا بقيادته وشعبه .
حمى الله الاردن وقيادته الهاشميه.
* دكتور الارارة الاستراتيجية وادارة الازمات