حين يُعاد تعريف الدين .. ويترك بلا اصلاح
في لحظةٍ تُعلن فيها المدينةُ نضجها المالي، لا تفعل ذلك بالأرقام وحدها، بل باللغة التي تختار أن تُعيد بها تعريف ذاتها، وأمانة عمّان، وهي تخطو نحو إصدار الصكوك الإسلامية، لا تُبدّل أداةً تمويلية فحسب، بل تُبدّل علاقتها مع الدين، ومع الأصل، ومع المستقبل، إنها محاولة لانتشال المديونية من كونها عبئًا صامتًا، إلى كونها سرديةً نشطة، قابلة للتأويل، وقابلة—وهنا مكمن الخطر—لسوء التأويل أيضًا.
الصكوك، في جوهرها، ليست ديونًا مقنّعة، بل ادّعاءٌ أخلاقي بأن المال يجب أن يرتبط بشيءٍ حقيقي: أصلٍ، منفعةٍ، أو إنتاج. هي وعدٌ بأن الاقتصاد لن ينفصل عن الواقع، وأن التمويل لن يعيش في فراغ، لكن كل وعدٍ كبير يحمل في داخله بذرةَ انكساره إن لم يُحسن حاملوه الفهم، وإن لم تُحسن المؤسسات التي تتبناه ترجمة هذا الوعد إلى ممارسة.
الخطر الأول لا يكمن في الصكوك ذاتها، بل في اللغة التي قد تُفرغها من معناها، حين تتحول الصكوك إلى مجرد غلافٍ إسلامي لدينٍ تقليدي، فإننا لا نكون قد أصلحنا شيئًا، بل نكون قد أضفنا طبقةً من الوهم فوق واقعٍ هش، هنا يصبح الدين أكثر تعقيدًا، لا أقل، لأننا لا نُحاسبه بوصفه دينًا فحسب، بل بوصفه “مشروعًا استثماريًا” يُفترض أن يُنتج، فإذا لم يُنتج، لا نخسر مالًا فقط، بل نخسر المعنى الذي بُنيت عليه الفكرة.
والأخطر من ذلك، أن الصكوك، حين تُفصل عن أصولٍ حقيقيةٍ منتجة، تتحول إلى مفارقة: أداةٌ وُجدت لربط المال بالواقع، فإذا بها تُعيد إنتاج الانفصال ذاته، لكن بلغةٍ أكثر أناقة، وهنا لا يعود الفشل تقنيًا، بل فلسفيًا؛ لأننا نكون قد فقدنا الصدق بين الشكل والمضمون.
أما الخطر الثاني، فيكمن في إدارة الأصول نفسها، فالصك لا يعيش في الورق، بل في الأداء، الأصل الذي تُربط به الصكوك—سواء كان موقف سيارات، أو محطة نقل، أو قطعة أرض—ليس مجرد حاملٍ للعائد، بل هو كائنٌ اقتصادي يتنفس بالإدارة، ويزدهر بالكفاءة، ويموت بالإهمال، فإذا كانت الإدارة تقليدية، بيروقراطية، أو مترددة، فإن أي هيكل تمويلي—مهما بلغ من الذكاء—لن يُنقذ الأصل من التآكل البطيء، وهنا تتحول الصكوك من فرصةٍ للإصلاح إلى مرآةٍ تكشف عيوب النظام الإداري بأقسى صورة.
ثم يأتي الخطر الثالث، وهو الأكثر خفاءً: خطر التقدير، التقدير ليس مجرد أرقام، بل هو رؤية للعالم، حين تُبنى توقعات العوائد على تفاؤلٍ غير منضبط، أو على قراءةٍ سطحية للطلب، فإننا لا نخطئ في الحساب فقط، بل نخطئ في فهم المدينة نفسها: سلوكها، احتياجاتها، وتحوّلاتها، الصكوك هنا لا تفشل لأنها أداة سيئة، بل لأنها رُبطت بتصورٍ غير دقيق عن الواقع، وكأننا بنينا جسراً هندسيًا متقنًا، لكنه يصل بين نقطتين غير موجودتين.
أما الخطر الرابع، فهو خطر السياسة حين تتسلل إلى الاقتصاد دون ضوابط، فالمدينة ليست فقط فضاءً عمرانياً، بل فضاء مصالح، وإذا لم تُحمَ قرارات الاستثمار من الضغوط، فإن الصكوك قد تُوجَّه نحو مشاريع لا لأنها الأكثر جدوى، بل لأنها الأكثر قبولاً في لحظةٍ معينة، وهنا يتحول التمويل إلى أداة توزيع، لا أداة إنتاج، ويُستنزف العائد قبل أن يولد.
لكن ربما الخطر الأعمق، والأكثر صمتًا، هو خطر العلاقة بين المدينة وأصولها، فحين تبدأ الأمانة في “توريق” أصولها، فهي تعيد تعريف الملكية، لا قانونيًا فحسب، بل معنويًا، الأرض التي كانت جزءًا من الذاكرة الجماعية، أو من احتياطي المدينة للمستقبل، قد تتحول إلى وعاء عائد، إلى رقم في نشرة إصدار، وهذا التحول، إن لم يُضبط بحكمة، قد يُضعف قدرة المدينة على اتخاذ قرارات سيادية لاحقًا، لأن جزءًا من مستقبلها قد أصبح مرتبطًا بتعهدات طويلة الأمد لمستثمرين لا يرون في المدينة سوى تدفقات نقدية.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يُفهم هذا الحديث بوصفه دعوة إلى التراجع، بل إلى الوعي. فالصكوك، في جوهرها، ليست خطرًا، بل اختبار، اختبار لقدرة المؤسسة على أن تكون صادقة مع نفسها: هل هي قادرة على ربط المال بالإنتاج؟ هل هي قادرة على إدارة أصولها بكفاءة؟ هل هي قادرة على الفصل بين القرار الاقتصادي والضغط السياسي؟ وهل هي، في النهاية، قادرة على أن ترى في المدينة أكثر من مجرد ميزانية؟
التحول الحقيقي الذي تحمله هذه الخطوة لا يكمن في تخفيض كلفة الدين، بل في إعادة تعريف دور الأمانة، لم تعد جهةً تُنفق وتُقترض، بل جهةً تُفكّر، وتُدير، وتُنتج، وهذا التحول، بقدر ما هو فرصة، هو عبءٌ معرفي وأخلاقي في آنٍ واحد.
في النهاية، ليست الصكوك هي التي ستنجح أو تفشل، بل الفلسفة التي تُدار بها، فإذا كانت الفلسفة قائمة على الربط الصادق بين الأصل والعائد، بين المدينة وسكانها، بين الحاضر والمستقبل، فإن الصكوك ستكون أداةً للتحرر من عبء الدين، أما إذا كانت الفلسفة قائمة على التجميل، والتأجيل، وإعادة تسمية الأشياء دون تغيير جوهرها، فإن الصكوك لن تكون سوى فصلٍ جديد في قصةٍ قديمة، قصة دينٍ يبحث عن اسمٍ أجمل، لا عن معنىً أعمق.
وهنا، لا يعود السؤال: هل الصكوك خيارٌ صحيح؟
بل: هل نحن مستعدون لمعناها؟
فإن لم نكن .. فلن نُصدر صكوكًا،
بل نُجمّل دينًا .. ونُتقن وهمَاً.