facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




قانون التعليم .. استشراف لهندسة رأس المال البشري الأردني


فيصل تايه
06-04-2026 11:26 AM

تستكمل النقاشات لمجلس النواب تحت قبة البرلمان هذا اليوم ، والتي تدور حول مشروع قانون التعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة ٢٠٢٦، وهي نقاشات لا يمكن قراءتها بوصفها إجراءً تشريعياً عادياً، بل باعتبارها تعبيراً عن تحول عميق في النظرة إلى التعليم بوصفه أداة سيادية لصناعة المستقبل ، في لحظة مفصلية من تاريخ الدولة الأردنية .

فالمداولات المعمقة التي استغرقت ساعات خلال مناقشة بنود المواد منذ صبيحة يوم أمس ، بما تحمله من تعريفات وفلسفة عامة، تعكس إدراكاً بأن القضية لم تعد تتعلق بإدارة قطاع خدمي، بل بإعادة تشكيل منظومة إنتاج الإنسان الأردني في سياق عالمي شديد التنافسية.

اذ ينطلق هذا المشروع بعد اعتمدت لجنة التربية والتعليم النيابية الصياغات النهائية التي قدمها سعاده النائب الدكتور إبراهيم القرالة بوصفه رئيس اللجنة ، وبما تعكسه الملاحظات التحليلية التي قدمها نخبة من الخبراء التربويين، والاساتذه الجامعيين إلى جانب أكاديميين وأهل اختصاص ، خلال لقاءات سابقة لجنة "التربية النيابية"، من محاولة جادة لإعادة تعريف الغاية من التعليم، حيث لم يعد الهدف مقتصراً على نقل المعرفة أو منح الشهادات، بل يتجاوز ذلك إلى بناء رأس مال بشري يمتلك المهارة والمرونة والقدرة على التكيف مع تحولات سوق العمل.

إن التحول من مسمى “التربية والتعليم” إلى “التعليم وتنمية الموارد البشرية” لا يمكن اعتباره تغييراً شكلياً، بل هو إعلان صريح عن انتقال الدولة من منطق الرعاية التعليمية إلى منطق الاستثمار في الإنسان، ومن التركيز على المدخلات إلى التركيز على المخرجات القابلة للقياس.

هذا التحول الفلسفي يفرض بالضرورة إعادة النظر في بنية الحوكمة التعليمية، وهو ما يظهر بوضوح في التوجه نحو تمكين مجلس التعليم وتنمية الموارد البشرية ليكون المرجعية العليا التي تقود السياسات التعليمية ، غير أن القيمة الحقيقية لهذا التوجه لا تكمن في إنشاء جسم مؤسسي جديد بقدر ما تكمن في كيفية تشكيله وطبيعة أدواره .

إن الرهان هنا هو على قدرة هذا الجسم على التحرر من ثقل التمثيل البيروقراطي، والتحول إلى منصة خبرات وطنية مستقلة قادرة على صياغة سياسات قائمة على الأدلة والمعطيات ، ومن هنا تبرز أهمية الاخذ بالمقترح المتعلق بوجود ذراع فني متخصص للمجلس، بما يضمن الفصل بين رسم السياسات وتنفيذها، ويؤسس لثقافة تقييم مستمرة تحكمها مؤشرات الأداء لا الاجتهادات الفردية.

وفي موازاة ذلك، يضع المشروع مهنة التعليم في قلب عملية الإصلاح، من خلال التوجه نحو مأسستها وربطها برخصة مزاولة المهنة ومسارات مهنية واضحة ، وهذا التحول، إذا ما تم تطبيقه بجدية، كفيل بنقل المعلم من كونه موظفاً في جهاز إداري إلى كونه مهنياً محترفاً يخضع لمعايير الكفاءة والتطوير المستمر ، غير أن هذا الطموح يصطدم بواقع يحتاج إلى معالجة دقيقة، فنجاح هذا المسار يتطلب بنية تدريبية متقدمة، وأنظمة تقييم عادلة، وحوافز حقيقية تعكس قيمة الأداء، وإلا تحول إلى عبء إداري إضافي لا يحقق الغاية المرجوة.

أما وعلى مستوى البناء التعليمي، يكشف المشروع عن وعي متزايد بأهمية الاستثمار في المراحل المبكرة، من خلال التوجه باتت المطالبة نحو مأسسة التعليم في الطفولة المبكرة وجعله جزءاً أساسياً من السلم التعليمي امراً مهماً ، فهذا التوجه يعكس فهماً علمياً راسخاً بأن الفجوات التي تظهر في المراحل المتقدمة غالباً ما تكون امتداداً لضعف التأسيس في السنوات الأولى .

وفي السياق ذاته، يحاول المشروع إعادة الاعتبار للتعليم المهني والتقني، عبر ربطه بمنظومة المهارات الوطنية والشهادات المعترف بها، بما يتيح للخريج الانتقال مباشرة إلى سوق العمل ، إلا أن التحدي هنا لا يقتصر على الإطار القانوني، بل يمتد إلى تغيير الثقافة المجتمعية التي ما تزال تنظر إلى هذا المسار بوصفه خياراً ثانوياً، وهو ما يتطلب جهداً متكاملاً تشارك فيه مؤسسات الدولة والمجتمع.

ولا يغفل المشروع معالجة ملف التعليم غير النظامي، الذي ظل لسنوات يشكل فجوة في المنظومة التعليمية، حيث يفتح الباب أمام مسارات بديلة تتيح للمتسربين العودة إلى مسار التعلم واكتساب مهارات عملية. وتكمن أهمية هذا التوجه في كونه لا يعالج مشكلة تعليمية فحسب، بل يتعامل مع قضية اجتماعية واقتصادية في آن واحد، إذ إن إعادة دمج هذه الفئة في منظومة الإنتاج تسهم في تقليل معدلات البطالة وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

وفي خضم هذه الرؤية الطموحة، يبرز بوضوح أن ما يجري تحت قبة البرلمان لا يقتصر على نقاش بنود قانونية، بل يمتد إلى اختبار قدرة الدولة على الانتقال من مستوى التخطيط إلى مستوى التنفيذ ، فالتجارب السابقة أظهرت أن الفجوة بين النص والتطبيق تمثل التحدي الأكبر في أي مشروع إصلاحي، وهو ما يفسر تركيز العديد من المداخلات النيابية على ضرورة وضوح الأنظمة التنفيذية، وتوفير الموارد المالية، وضمان جاهزية الكوادر التربوية.

يجب ان نعي تماماً إن توسيع نطاق تفويض الصلاحيات لإصدار أنظمة تفصيلية قد يمنح مرونة في التطبيق، لكنه في الوقت ذاته يتطلب مستوى عالياً من الحوكمة والرقابة لضمان عدم تحول هذه الأنظمة إلى أدوات بيروقراطية تعيق الإصلاح بدل أن تدعمه.

وفي هذا الإطار، تتجه الأنظار إلى ما يمكن أن ينتج عن هذا القانون من تحولات فعلية في البيئة المدرسية، إذ إن نجاحه سيقاس بمدى انعكاسه على تفاصيل الحياة اليومية للطالب والمعلم، من جودة المناهج، إلى أساليب التدريس، إلى بيئة التعلم، وصولاً إلى فرص التشغيل بعد التخرج ، فالتعليم، في نهاية المطاف، لا يُقاس بالنصوص، بل بالأثر الذي يتركه في حياة الأفراد والمجتمع.

بقي ان اقول ، إن مشروع قانون التعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026، بما يحمله من مضامين، لا بد ان يمثل محاولة لإعادة صياغة العقد التربوي في الأردن، بحيث ينتقل من نموذج تقليدي يركز على الكم إلى نموذج نوعي يركز على الكفاءة ، غير أن هذا المشروع، على أهميته، لا يمكن أن ينجح بمعزل عن إرادة سياسية مستمرة، واستثمار حقيقي في الموارد، وشراكة فعالة مع المجتمع. فالتعليم ليس مسؤولية وزارة أو مجلس، بل هو مشروع وطني متكامل تتقاطع فيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وعليه، فإن اللحظة التي يعيشها الأردن اليوم تحت قبة البرلمان هي لحظة اختبار حقيقية، ليس فقط لقدرة النواب على مناقشة نص قانوني، بل لقدرة الدولة بأكملها على اتخاذ قرار استراتيجي بشأن مستقبلها ، فإما أن يتحول هذا القانون إلى نقطة انطلاق نحو نظام تعليمي حديث قادر على إنتاج المعرفة والمهارة، أو يبقى إطاراً نظرياً يضاف إلى سجل التشريعات الطموحة التي لم تجد طريقها إلى التطبيق.

وفي هذا التوازن بين الطموح والواقع، يتحدد مصير هذا المشروع، ويتحدد معه جزء كبير من ملامح المستقبل الأردني.

والله ولي التوفيق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :