facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الاستراتيجية الأردنية لمكافحة الإرهاب: التحديات والنجاحات


د. سعود الشرفات
06-04-2026 08:22 PM

شهدت الاستراتيجية الأردنية لمكافحة الإرهاب منذ عام 2011 تحولًا بنيويًا من نموذج أمني تقليدي قائم على الاستجابة والردع إلى نموذج أكثر تكاملًا يرتكز على الأمن الوقائي والعمل الاستخباري الاستباقي ومقاربات الوقاية من التطرف العنيف. ولم يقتصر هذا التحول على البعد الإجرائي، بل شمل إعادة تعريف مفهوم الأمن الوطني ليصبح مفهومًا مركبًا يتجاوز البعد العسكري والأمني الصلب نحو الأبعاد السياسية والاجتماعية والفكرية.

وفي هذا الإطار، عمل الأردن على تعزيز مقاربة الأمن الشامل عبر تطوير الإطار التشريعي الناظم لمكافحة الإرهاب، وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية في مجالات الرصد المبكر والتدخل الوقائي، إلى جانب الانتقال من معالجة التهديدات الداخلية المحدودة إلى إدارة تهديدات شبكية عابرة للحدود تتداخل فيها المستويات المحلية والإقليمية والدولية ضمن سياق العولمة الأمنية.

وقد جاءت هذه التحولات نتيجة تفاعل ثلاثة مستويات رئيسة من العوامل. فعلى المستوى الداخلي، أسهمت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية في رفع قابلية بعض البيئات للاختراق الأيديولوجي. وعلى المستوى الإقليمي، فرضت أزمات دول الجوار، لا سيما في سوريا والعراق ولبنان، والارضي المحتلة في فلسطين وقطاع غزة بيئة أمنية عالية الاضطراب انعكست تداعياتها الكثيرة على الأردن. أما على المستوى الدولي، فقد عززت الشراكات الأمنية مع القوى الغربية القدرات الأردنية في مجالات الاستخبارات وتبادل المعلومات والتقنيات الأمنية، بما أسهم في ترسيخ نموذج مرن يجمع بين الصلابة المؤسسية والقدرة على التكيف.

شكّل صعود تنظيم داعش الإرهابي والحرب في سوريا نقطة تحول مركزية في إعادة ترتيب أولويات الأمن الوطني الأردني، حيث جرى التركيز على أمن الحدود، ومنع التسلل، ومكافحة شبكات المقاتلين الأجانب والتهريب المرتبط بتمويل الإرهاب. وقد صاحب ذلك تطوير القدرات الاستخبارية والتكنولوجية على الحدود الشمالية والشمالية الشرقية، والانخراط في التحالف الدولي ضد الإرهاب ضمن مقاربة دفاع أمامي متعددة المستويات.

ومع تراجع التنظيمات الجغرافية الكبرى، تحولت طبيعة التهديد الإرهابي نحو أنماط لا مركزية أكثر مرونة، تشمل الخلايا الصغيرة، والذئاب المنفردة، والتطرف الرقمي. وقد استدعى هذا التحول تطوير أدوات الرصد الإلكتروني، وتعزيز التعاون الاستخباري الدولي، وتوسيع برامج الوقاية وإعادة التأهيل، بما يعكس انتقالًا من مواجهة تنظيمات هرمية إلى إدارة تهديد شبكي ديناميكي.

وفي هذا السياق، عكست نتائج تقرير "مؤشر الإرهاب في الأردن" لعام 2025م الذي صدر مؤخراً عن "مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب " في عمان -الأردن، ونُشر في عمون؛ تجذّر هذا النمط من المقاربة الوقائية، حيث لم تُسجل أي هجمات إرهابية ناجحة داخل المملكة خلال العام 2025م، مقابل إحباط عدد من المخططات الإرهابية قبل مرحلة التنفيذ. وتشير المعطيات إلى أن هذه المخططات اتسمت بطابع شبكي متعدد المستويات، شمل أنشطة تتعلق بالتجنيد والتدريب والتصنيع والتطوير العملياتي، بما يعكس طبيعة التهديدات بوصفها غير مباشرة ومبنية على خلايا غير معلنة.

كما أوضح التقرير أن الاستقرار الداخلي لم يتأثر بصورة مباشرة بالبيئة الإقليمية المضطربة، رغم استمرار تأثيرها غير المباشر في تشكيل مستوى التهديدات الإرهابية والأمنية بشكل أوسع . وعلى المستوى المقارن، أظهر مؤشر الإرهاب العالمي (GTI 2026) أن الأردن احتل المرتبة 44 عالميًا ضمن الدول ذات التأثير المنخفض إلى المتوسط، ما يعكس قدرة الدولة على احتواء المخاطر ضمن مستويات محدودة نسبيًا، في سياق إقليمي شديد الاضطراب.

على المستوى المؤسسي، يتبنى الأردن نموذجًا تكامليًا يقوم على تنسيق الأدوار بين الأجهزة الأمنية (المخابرات العامة، الأمن العام، والقوات المسلحة) والمؤسسات القضائية والتشريعية والقطاعات الحكومية ذات الصلة، بما فيها وزارات الأوقاف والتربية والتنمية الاجتماعية. ورغم ارتفاع مستوى التنسيق المؤسسي، لا تزال بعض التحديات قائمة، خصوصًا فيما يتعلق بتكامل قواعد البيانات وتعزيز التحليل المشترك وإشراك الفاعلين غير الحكوميين بصورة أوسع.

وفي موازاة ذلك، تبنّى الأردن مقاربة شاملة للوقاية من التطرف العنيف منذ عام 2014م، تشمل إصلاح الخطاب الديني، وتحديث المناهج التعليمية، وتعزيز دور الإعلام، وتطوير برامج إعادة التأهيل داخل مراكز الإصلاح، إلى جانب إشراك المجتمع المحلي في بناء مناعة مجتمعية ضد التطرف العنيف وخطاب الكراهية . إلا أن هذه المقاربة ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بقياس الأثر واستدامة التمويل وتعدد مستويات التنسيق المؤسسي.

وفي مواجهة الأطراف الفاعلة من غير الدول، تعتمد الاستراتيجية الأردنية مزيجًا من الردع الوقائي والاحتواء الاستباقي، عبر تعزيز أمن الحدود، وتنفيذ عمليات استباقية، وتفكيك الشبكات اللوجستية والتمويلية. ويؤدي الجهاز الاستخباري الأردني دورًا محوريًا في اختراق هذه الشبكات ومراقبة امتداداتها، بالتوازي مع سياسة تحصين داخلي تهدف إلى منع انتقال الاضطرابات الإقليمية إلى الداخل.

كما يشهد المجال الأمني الأردني توسعًا متزايدًا في توظيف التكنولوجيا، بما في ذلك أنظمة المراقبة الذكية، وتحليل البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني. ورغم ما توفره هذه الأدوات من قدرات متقدمة في الرصد والتنبؤ، فإنها تفرض تحديات تتعلق بالحوكمة الرقمية، وحماية الخصوصية، وبناء القدرات البشرية المتخصصة.

وفي ضوء هذه المعطيات، يتجه التطور المستقبلي للاستراتيجية الأردنية نحو مزيد من التكامل بين الأدوات الأمنية الصلبة والناعمة، مع التركيز على التهديدات الهجينة التي تجمع بين الإرهاب التقليدي والفضاء السيبراني. ومن المرجح استمرار التهديدات منخفضة الحدة، مثل الخلايا الصغيرة والذئاب المنفردة، ودخول جماعات إرهابية أخرى غير تقليدية مثل الجماعات الشيعية المرتبطة بالنظام الإيراني في ظل بيئة إقليمية متقلبة، ما يجعل تعزيز القدرات الاستخبارية، وتطوير أدوات التحليل الاستباقي، وتوسيع برامج الوقاية المجتمعية، وتعميق التعاون الدولي، ركائز أساسية لضمان استدامة الأمن الوطني الأردني .


*مؤسس ومدير مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والإرهاب





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :