هل أنت صاحب رأي .. أم أسير قرارات مُسبقة؟! ..
محمود الدباس - أبو الليث
07-04-2026 07:34 PM
في كل مرة يخرج فيها خبرٌ إلى العلن.. لا يكون الامتحان في صدق الخبر.. بقدر ما يكون في صدقنا نحن مع عقولنا.. فبمجرد أن يُقال شيء.. تتحرك في داخلنا أحكامٌ جاهزة.. لا علاقة لها بالوقائع.. بل بتاريخنا مع القائل.. ومزاجنا تجاهه.. شخص كان.. أم جهة..
هناك من لا يسمع.. بل ينتظر لحظة النطق فقط.. ليقول فوراً هذا كذب.. لا لأنه فكّر.. بل لأنه قرر مسبقاً أن هذا الصوت لا يُصدّق.. فيبحث عن أي ثغرة.. أي رأي شاذ.. أي تحليل مقلوب.. فقط ليبقى وفياً لحكمه الأول.. حتى لو اضطر لمخالفة المنطق نفسه..
وفي الجهة الأخرى.. من لا يسمع أيضاً.. لكنه يصفّق.. ويؤمن.. ويتبنى.. وكأن الحقيقة عقدُ ولاء.. لا نتيجةُ تحليل.. فيجمع كل ما يؤيد.. ويتغافل عن كل ما يناقض.. لا لأنه مقتنع.. بل لأنه لا يريد أن يهتز يقينه بصدق من يقول..
وبين هؤلاء.. يقف القليل.. أولئك الذين يتعبون.. لأنهم يضعون عقولهم في المواجهة.. يسمعون.. ثم يشكّون.. ثم يفحصون.. ثم يحكمون.. وقد يخسرون راحة الانتماء لهذا الفريق.. أو ذاك.. لكنهم يكسبون احترام الحقيقة.. حتى لو كانت مُرّة..
المشكلة لم تعد في الخبر.. بل في المتلقي.. في هذا الاستعداد النفسي للتكذيب لأجل التكذيب.. أو التصديق لأجل التصديق.. حيث تتحول الحقيقة إلى ضحية.. بين من لا يريدها إن خالفت هواه.. ومن لا يحتاجها أصلاً لأنه قرر أن يصدق..
والأخطر من ذلك.. أن كثيرين يرفعون قصة الراعي والذئب كشعار للتكذيب الدائم.. دون أن يدركوا أن العبرة لم تكن في كذب الراعي.. بل في ثمن عدم تصديقه في اللحظة الحاسمة.. حين جاء الذئب فعلاً.. فضاعت الأغنام.. لا لأن الراعي كاذب.. بل لأن القوم قرروا أن لا يصدقوه أبداً..
وهنا تصبح الكارثة مزدوجة.. كاذبٌ لا يُردع.. وصادقٌ لا يُصدّق.. وحقيقةٌ تضيع بينهما.. لأننا لم نعد نبحث عنها.. بل نبحث عمّا يرضينا..
وفي زمنٍ كهذا.. لا يكون أخطر ما في الكذب أنه يُقال.. بل أن يجد آذاناً جاهزة لتصديقه.. أو أخرى مستعدة لرفض الحقيقة فقط لأنها جاءت من فمٍ لا تحبه.. فهل ما زلنا نبحث عن الحقيقة.. أم عن أنفسنا داخلها؟!..