facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




دول المشرق والخليج العربية: بين مطرقة إسرائيل وسندان إيران


د. عبدالحفيظ العجلوني
08-04-2026 01:55 AM

لم يعد الصراع بين إيران وإسرائيل شأنًا ثنائيًا يمكن احتواؤه داخل حدودهما، بل تحوّل إلى معادلة إقليمية ضاغطة، يتقاطع فيها النفوذ وتتنافس المشاريع، وتُعاد عبرها صياغة توازنات المنطقة. وفي قلب هذه المعادلة تقف دول المشرق والخليج العربية، لا بوصفها طرفًا فاعلًا بقدر ما تُدفع لتكون ساحةً مفتوحة تُدار عليها المواجهات وتُختبر فيها موازين القوة.

لم تعد هذه الدول تواجه تحدّيًا منفردًا، بل تجد نفسها بين مشروعين متباينين في السعي إلى الهيمنة، وإن التقيا في الأثر على تفتيت السيادة العربية: مشروع إيراني يتحرك عبر التمدد الشبكي وبناء النفوذ داخل بُنى الدول، وآخر إسرائيلي يسعى إلى إعادة هندسة الإقليم عبر التفوّق العسكري والردع وفرض الوقائع. غير أن تقارب الأثر لا يعني تماثل الأدوات؛ فإسرائيل قوة نووية مدعومة أمريكيًا تخترق من فوق بضرباتها الاستباقية، بينما إيران قوة إقليمية مثقلة بالعقوبات تتسلل من تحت عبر شبكات وكلائها. وبين هذين المسارين تتآكل مساحات القرار المستقل، ويغدو السؤال ليس كيف تتجنب هذه الدول الصراع، بل كيف تحدّ من كلفته وتداعياته؟.

عرفت المنطقة العربية في مراحل سابقة قدرًا من الفعل المستقل، وإن كان محدودًا، غير أن التحولات المتسارعة في العقود الأخيرة دفعت العديد من دول المشرق والخليج العربية إلى موقع مختلف: من فاعل يسهم في تشكيل التوازنات، إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريعُ الآخرين. لم يعد الصراع يُدار عند الأطراف فقط، بل في العمق، في العواصم وعلى الحدود. ومع تراجع القدرة على صياغة موقف عربي موحّد، تزايدت قابلية بعض هذه الدول للاختراق أو الاستقطاب، وأصبحت قراراتها، في أحيان كثيرة، رهينة توازنات خارجية.

والأخطر أن الصراع لم يعد ثنائيًا بين إيران وإسرائيل، بل أصبح متعدد الأبعاد؛ إذ أضيفت إليه الولايات المتحدة كضامن وراعٍ ومتدخل مباشر، وتركيا كفاعل صاعد في المشرق، له حساباته المعقدة مع الطرفين. هذا التشابك يزيد من هشاشة الدول العربية، لأنها لم تعد تواجه قطبي استقطاب، بل شبكة متداخلة من الضغوط.

تعتمد إيران في مقاربتها الإقليمية على التمدد غير المباشر، عبر بناء شبكات نفوذ داخل الدول، مستندة إلى تحالفات محلية وأدوات متعددة، بما يتيح لها التأثير في القرار السياسي والأمني دون حضور عسكري تقليدي دائم. وينتج عن هذا النمط واقعٌ مركّب تتداخل فيه السلطة الرسمية مع مراكز قوة موازية، ما يفضي إلى ازدواج القرار وإضعاف السيادة.

غير أن المشهد ازداد تعقيدًا مع صعود فاعلين غير دوليين -ميليشيات ووكلاء- لم يعودوا مجرد أدوات، بل طوّروا هوامش قرار خاصة، قادرة أحيانًا على جرّ الدول إلى مواجهات لا ترغب فيها. ففي لبنان واليمن والعراق، لم تعد هذه القوى مجرد امتدادات، بل أصبحت عناصر مؤثرة في ضبط إيقاع التصعيد والتهدئة.

في المقابل، تنتهج إسرائيل مسارًا مختلفًا، يقوم على توظيف تفوقها العسكري والتكنولوجي والدعم الأمريكي لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية. فهي لا تكتفي بمواجهة التهديدات، بل تعمل على منع تشكّل أي توازن قد يقيّد حركتها، عبر الضربات الاستباقية، وبناء ترتيبات أمنية جديدة، والسعي إلى نسج علاقات إقليمية تتجاوز الأطر التقليدية.

في ظل هذا الواقع، تجد دول المشرق والخليج العربية نفسها أمام خيارات محدودة، جميعها مكلف: فالانخراط في أحد المحاور يعني استنزافًا وربما فقدانًا لهامش الاستقلال، ومحاولة الحياد لا تضمن النجاة من الضغوط، بل قد تزيد من قابلية الاختراق، أما الموازنة بين الطرفين، فتظل معادلة دقيقة يصعب الحفاظ عليها مع تصاعد التوتر. وفي كل الأحوال، تتراجع أولويات التنمية أمام ضرورات الأمن وإدارة الأزمات.

ولا تقتصر آثار هذا الصراع على البعدين الأمني والعسكري، بل تمتد إلى مستويات أعمق؛ حيث تتآكل السيادة في الدول الهشة، ويتصاعد الاستقطاب السياسي والطائفي، وتصبح البنى التحتية الحيوية -خصوصًا في قطاع الطاقة- أكثر عرضة للمخاطر. ومع استمرار هذا المسار، لا تعود الدول مجرد متأثرة بالصراع، بل تتحول إلى جزء من معادلته.

في الأفق، تتعدد السيناريوهات، لكنها غير متساوية الاحتمال. يظل “الاستنزاف الطويل” الأكثر ترجيحًا، حيث تستمر حرب الظل دون انزلاق إلى مواجهة شاملة، في ظل ردع متبادل. أما “الانفجار الإقليمي” فهو الأكثر تدميرًا لكنه الأقل احتمالًا، لكلفته الوجودية على الجميع. فيما تبقى “التهدئة المؤقتة” ممكنة، لكنها هشة وسرعان ما تنهار. والقاسم المشترك بين هذه السيناريوهات أن كلفتها ستقع، بدرجات متفاوتة، على دول المنطقة قبل غيرها.

أخطر ما في هذا الصراع ليس فقط أنه يدور على أرض دول المشرق والخليج العربية أو بالقرب منها، بل أنه يهدد بتحويلها إلى فضاء دائم لإدارة الصراعات لا لإنتاج الحلول. فهي ترزح بين مطرقة التفوق الإسرائيلي وسندان التمدد الإيراني، في لحظة تتراجع فيها قدرتها على الفعل المستقل، وتتزايد كلفة غيابها عن معادلة التأثير.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تظل هذه الدول ساحة يُعاد تشكيلها بإرادة الآخرين، أم تنجح -رغم التعقيدات- في التحول إلى فاعل يشارك في صياغة توازنات المنطقة؟
قد يكون الجواب مرهونًا بقدرة هذه الدول على بلورة استراتيجية مشتركة، تتكامل فيها الأبعاد الاقتصادية والأمنية والعسكرية.

غير أن السؤال الأشد إلحاحًا ليس: هل تملك هذه الدول فرصة للحاق بقطار الحل؟

بل: هل لا يزال القطار في المحطة أصلًا… أم أنه بدأ يتحرك، أو أنه غادر بالفعل؟.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :