نهاية الوهم: تراجع الهيمنة وبداية زمن التوازن… فأين العرب؟
حجازي البحري المحاميد
08-04-2026 11:31 AM
لم يعد من الممكن قراءة ما جرى في المنطقة باعتباره حدثًا عابرًا أو مواجهة محدودة التأثير.
فالتحولات الأخيرة تشير بوضوح إلى أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة، تتغير فيها موازين القوى، وتُعاد فيها صياغة كثير من المسلّمات التي سادت لعقود.
لقد كانت التوقعات تميل إلى سيناريو سريع وحاسم، يعيد تكريس واقع قائم على تفوق طرف واحد. إلا أن مجريات الأحداث أظهرت صورة أكثر تعقيدًا، حيث برزت قدرة إيران على الصمود والتفاعل مع التحديات، بما يعكس حضورها كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن ما حدث ساهم في إعادة ضبط معادلات القوة، وفرض نوع من التوازن النسبي، حدّ من قدرة أي طرف — بما في ذلك إسرائيل — على التحرك دون احتساب دقيق للتبعات وردود الفعل. وهو تطور يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة الصراع في المنطقة.
لكن، ورغم هذا التحول، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا:
أين يقف العرب ضمن هذه المعادلة الجديدة؟
في لحظة تعاد فيها صياغة المشهد الإقليمي، تبدو المواقف العربية — في معظمها — متباينة، يغلب عليها الحذر والتباعد، في وقت كانت الحاجة فيه إلى قدر أكبر من التنسيق والرؤية المشتركة.
هذا الواقع لا يمكن فصله عن تحديات تراكمت عبر السنوات، من بينها:
الاعتماد النسبي على التحالفات الخارجية
غياب مشروع عربي موحد
محدودية التكامل في الجوانب السياسية والدفاعية
وسط هذا المشهد، برز تحرك مبكر وفاعل يقوده جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، الذي سعى منذ البداية إلى الدفع نحو التهدئة، والتحذير من مخاطر اتساع رقعة الصراع.
هذا الموقف يعكس قراءة استراتيجية عميقة لطبيعة المرحلة، وحرصًا على استقرار المنطقة، وإدراكًا بأن التصعيد لا يخدم إلا مزيدًا من الفوضى وعدم اليقين.
ومع أهمية هذه الجهود، فإن التحدي الأكبر يبقى في القدرة على تحويلها إلى موقف عربي جماعي منسق، يعزز أثرها ويمنحها وزنًا حقيقيًا في معادلة التأثير.
نحو مقاربة جديدة للعلاقات الإقليمية
في ضوء هذه التحولات، تبرز ضرورة إعادة النظر في طبيعة العلاقة العربية–الإيرانية، بعيدًا عن منطق الصراع المفتوح أو التنافس الصفري.
إن بناء علاقات مستقرة مع إيران يمثل خيارًا استراتيجيًا تفرضه الجغرافيا وتشابك المصالح، لكنه لا يمكن أن ينجح إلا على أسس واضحة، تقوم على:
الاحترام المتبادل للسيادة
عدم التدخل في الشؤون الداخلية
الالتزام بمبادئ حسن الجوار
كما أن أي تقارب حقيقي يتطلب بناء الثقة بشكل تدريجي، من خلال التعاون في مجالات الأمن الإقليمي والاقتصاد والاستقرار.
وفي المقابل، فإن نجاح هذا المسار يظل مرهونًا أيضًا بمراجعة السياسات التي تؤثر سلبًا على استقرار بعض الدول العربية، بما في ذلك دعم جهات أو أدوار غير رسمية قد تسهم في تعقيد المشهد الداخلي في عدد من العواصم.
فالعلاقة المتوازنة لا تُبنى من طرف واحد، بل تحتاج إلى التزامات متبادلة واضحة تترجم إلى سياسات عملية على الأرض.
ما المطلوب عربيًا؟
إن المرحلة القادمة تتطلب تحركًا عربيًا أكثر نضجًا وتكاملًا، يقوم على:
1. تعزيز استقلالية القرار
بما يضمن حماية المصالح الوطنية ضمن رؤية جماعية.
2. تطوير منظومات التعاون العربي
سياسيًا، اقتصاديًا، ودفاعيًا.
3. الاستثمار في عناصر القوة الشاملة
من اقتصاد وتكنولوجيا ومعرفة، إلى جانب القدرات الدفاعية.
4. بناء رؤية استراتيجية مشتركة
تحدد موقع العالم العربي في النظام الإقليمي الجديد.
5. تبني دبلوماسية متوازنة
تفتح قنوات مع مختلف الأطراف دون الانخراط في صراعات المحاور.
الخلاصة:
إن ما جرى يمثل محطة مفصلية في تاريخ المنطقة، حيث لم تعد موازين القوة أحادية كما كانت، بل تتجه نحو قدر أكبر من التوازن والتعقيد.
غير أن هذا التحول لن يكون بالضرورة في صالح العرب، ما لم يُقابل برؤية واضحة وتحرك منسق يواكب هذه المتغيرات.
فالمرحلة القادمة لن تُحدد فقط بمن يمتلك القوة،
بل بمن يحسن إدارة علاقاته، وبناء تحالفاته، وتوظيف إمكاناته ضمن رؤية استراتيجية واضحة.