facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عقل المستقبل .. ما الذي لا نراه؟


د. صالح سليم الحموري
08-04-2026 12:13 PM

في نهاية يومٍ طويل، جلس القائد أمام شاشته، يتأمل الأرقام التي لا تنتهي. مؤشرات أداء، تقارير، تنبؤات مبنية على ما حدث… وكأن المستقبل مجرد امتدادٍ مهذّب للماضي.

لكن شيئًا في داخله لم يكن مطمئنًا.

سأل نفسه بصمت:

هل ما أراه… هو ما سيحدث فعلًا؟

أم أنني فقط أُعيد ترتيب ما حدث بالأمس… وأسمّيه “خطة”؟

في هذا العالم، لم يعد المستقبل كما كان. لم يعد خطًا مستقيمًا يمكن تتبعه، ولا نتيجة طبيعية لقرارات الأمس. أصبح مساحة مفتوحة للاحتمالات، بعضها لا يُرى، وبعضها لا يُتوقع، وبعضها لا يطرق الباب قبل أن يدخل.

وهنا… تظهر الحاجة إلى ما هو أبعد من التخطيط.

تظهر الحاجة إلى “عقل المستقبل”.

عقل المستقبل ليس قدرة على التنبؤ،

بل قدرة على الاستعداد لما لا يمكن التنبؤ به.

هو أن تدرك أن البيانات لا تكفي،

وأن الخبرة—رغم أهميتها—قد تخدعك،

وأن أخطر ما يمكن أن تفعله… هو أن تثق بأن الغد سيُشبه اليوم.

في مقالاتنا السابقة، تحدثنا عن خطر “أتمتة التفكير”، حين نُسلم عقولنا للأنظمة، ونكتفي بما تقترحه علينا.

لكن الخطر الأكبر… أن نُسلم مستقبلنا للماضي.

القائد بعقل المستقبل لا يبحث عن إجابة واحدة.

بل يرى العالم كمصفوفة احتمالات.

لا يسأل: “ما القرار الصحيح؟”

بل يسأل:

“ما الذي يمكن أن يحدث؟

وما الذي لم أفكر فيه بعد؟”

هو لا يعيش في وهم التفاؤل، ولا في فخ التشاؤم.

بل يقف في منطقة نادرة… بين الحلم والحقيقة.

يتخيل… ثم يشكّك.

يطمح… ثم يُراجع.

يتقدم… ثم يعيد الحساب.

لكن ما لا يُقال كثيرًا… أن المستقبل ليس فكرة، بل حالة نفسية.

حين يغيب الوضوح، يتسلل القلق.

وحين يتراكم القلق، يتآكل القرار.

القائد الذي لا يمتلك عقل المستقبل، يعيش في ردّة فعل دائمة. ينتظر ما سيحدث، ثم يحاول اللحاق به.

أما القائد الذي يمتلكه… فهو لا ينتظر الوضوح، بل يصنعه.

ليس لأنه يعرف أكثر…

بل لأنه يرى أعمق.

المفارقة أن أخطر ما يهدد هذا العقل… ليس الجهل، بل الثقة الزائدة.

حين يقع القائد في حب فكرته، يفقد القدرة على رؤيتها كما هي.

يرى الفرصة… ويتجاهل الخطر.

يسمع ما يؤكد قناعته… ويتجاهل ما يُخالفها.

وهنا، لا يفشل بسبب قلة الذكاء…

بل بسبب غياب التوازن.

وعلى مستوى المؤسسة، لا يتوقف أثر عقل المستقبل عند القائد.

إنه ينتقل… كتموّج هادئ.

من فكرة إلى فريق،

ومن فريق إلى ثقافة،

ومن ثقافة إلى طريقة تفكير كاملة.

لكن حين تكبر المؤسسات، ويزداد التعقيد، ويعلو صوت الإجراءات… يبدأ هذا العقل بالتراجع. تتحول المرونة إلى نماذج، والخيال إلى تقارير، والمستقبل إلى خطة سنوية مغلقة.

وعندها… لا تموت الأفكار،

بل تتوقف عن الولادة.

السؤال الحقيقي إذًا ليس: هل نملك استراتيجية للمستقبل؟

بل: هل نملك عقلًا يستطيع أن يرى المستقبل… قبل أن يحدث؟

ربما لا نحتاج إلى أدوات أكثر،

ولا إلى تقنيات أسرع،

ولا حتى إلى بيانات أضخم.

ربما نحتاج إلى شيء أبسط… وأعمق:

أن نتعلم كيف نسأل.

ما الذي لا نراه؟

ما الذي قد يحدث عكس ما نتوقع؟

ومن يملك الشجاعة ليقول لنا: أنتم مخطئون؟

في النهاية،

المستقبل لا يُفاجئ من يستعد له…

بل من يظن أنه فهمه.

وعقل المستقبل…

ليس رفاهية قيادية.

إنه الفرق بين من ينتظر الغد…

ومن يصنعه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :