facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




عقل الدولة واستشراف القادم في رؤية جلالة الملك


فيصل تايه
09-04-2026 09:15 AM

​جاء لقاء جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين مع رؤساء الوزارات السابقين في قصر الحسينية، كإطار مرجعي لإدارة المرحلة، في لحظة إقليمية تتقاطع فيها مسارات التصعيد مع إعادة رسم موازين القوة، إذ لم يكن استعراضاً لخبرات الماضي، أو تبادلاً لوجهات النظر، بل ما جسده هذا اللقاء هو التحول إلى عملية "إعادة ضبط" لبوصلة الدولة، واستدعاءً لـ "عقل الدولة الجمعي" لمواجهة تعقيدات مشهد إقليمي يمر بمخاض هو الأكثر خطورة منذ عقود، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتسارع التحولات الجيوسياسية التي تفرض على الدول إعادة تعريف أولوياتها الأمنية والسياسية بشكل مستمر.

​وفي هذا السياق ، فإن استدعاء رؤساء الحكومات السابقين يُقرأ كإشارة إلى انتقال الدولة من نمط إدارة الحدث إلى نمط إدارة الاحتمالات، حيث يصبح القرار نتاجاً لتراكم الخبرة لا استجابة ظرفية للمتغيرات ، فمن الواضح أن حرص جلالته على الجلوس مع هؤلاء الساسة يحمل دلالة عميقة على أن الأردن، في مئويته الثانية، يرتكز على مؤسسية راسخة تؤمن بأن تراكم الخبرة هو السياج الحامي للقرار الوطني السيادي، وأن استدعاء التجربة هو أداة من أدوات إدارة المخاطر في لحظة إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات.

​ولم يكن هذا اللقاء منفصلاً عن سياقه الزمني الضاغط، بل جاء في لحظة إقليمية تتكثف فيها إشارات التصعيد من أكثر من اتجاه، ما يجعل من استدعاء "عقل الدولة" ضرورة تتجاوز البعد التشاوري إلى مستوى إعادة تموضع استراتيجي للدولة في بيئة شديدة السيولة والتقلب.

​لقد كانت لغة جلالة الملك في هذا اللقاء لغة "استشرافية" بامتياز، تجاوزت تشخيص الأزمات إلى وضع الحلول الاستباقية، وهو ما تجلى في رسائل الطمأنة الواضحة التي أكد فيها أن "الأردن بخير وسيبقى بخير"، في تأكيد يعكس ثقة الدولة بقدرتها على التعامل مع مختلف السيناريوهات دون المساس بثوابتها ، ففي الملف الإقليمي، أرسى جلالته قاعدة مفادها أن استقرار الأردن هو حجر الزاوية لاستقرار المنطقة، وأن الموقف الهاشمي تجاه فلسطين ليس مجرد التزام سياسي، بل هو قدر وجودي يمارسه الأردن بكل ثقله الدبلوماسي والإنساني.

​لقد قدم جلالة الملك رؤية ثاقبة تحذر من مغبة غياب الحل السياسي العادل، مشدداً في الوقت ذاته على خطورة اتساع رقعة الصراع، لا سيما في الضفة الغربية والقدس، وما يحمله ذلك من تداعيات قد تعيد إنتاج دوامات عدم الاستقرار في الإقليم، معتبراً أن أمن الإقليم لا يمكن أن يتحقق على أنقاض الحقوق المشروعة، وهو موقف يضعه الأردن اليوم أمام المجتمع الدولي كصوت للعقل والحكمة وسط ضجيج الصراعات، ومتموضعاً كدولة ترفض منطق الحرب منذ بداياته، وتدفع باتجاه التهدئة كخيار استراتيجي لا تكتيكي.

​ولم يقف الخطاب الملكي عند حدود التحذير، بل دم قراءة مركبة لمشهد تتداخل فيه مسارات التصعيد ، فمن جهة، تتصاعد التوترات المرتبطة بإيران بما تحمله من تهديد لأمن الممرات الدولية، ومن جهة أخرى، أشار جلالته بوضوح إلى أن إسرائيل تستغل هذا الانشغال الدولي لتوسيع نطاق عملياتها، سواء في الضفة الغربية والقدس أو في لبنان، في سلوك يعكس محاولة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة تحت غطاء الفوضى، وهو ما يكشف عن بيئة صراع متعددة المستوى تتجاوز الأطر التقليدية للصراعات الثنائية.

وهذا التوصيف لا يعكس فقط قراءة للمشهد، بل يكشف عن إدراك لطبيعة التحول في بنية الصراع، حيث لم تعد التهديدات خطية أو منفصلة، بل متداخلة ومتزامنة، بما يفرض على الدولة تبني مقاربات أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة متعددة المسارات.

​أما على الصعيد الداخلي، فقد بدا جلالة الملك وكأنه يرسم ملامح "العقد الوطني الجديد" من خلال مسارات التحديث الثلاثة، في مقاربة لا تفصل بين متطلبات الإصلاح الداخلي وضغوط البيئة الإقليمية، بل تنظر إليهما كمسارين متكاملين لتعزيز منعة الدولة.

إن الرؤية الملكية الاستشرافية هنا تنطلق من إدراك عميق بأن المنعة الوطنية لا تتحقق إلا من خلال تحديث الأدوات، فالتحديث السياسي ليس غاية في حد ذاته، بل هو وسيلة لإنتاج حياة برلمانية برامجية قادرة على حمل أعباء المرحلة، والنهوض الاقتصادي هو الضمانة الحقيقية للكرامة الوطنية، فيما يمثل التحديث الإداري العمود الفقري الذي يضمن وصول هذه الرؤى إلى حياة المواطن اليومية، وهو ما يتكامل مع تأكيد جلالته على ضرورة الحفاظ على الجاهزية المؤسسية الشاملة، بما في ذلك تأمين المخزون الاستراتيجي، بما يعكس وعياً عميقاً بترابط الأمنين الاقتصادي والوطني في أوقات الأزمات.
٠
​وهو ما يعني أن التحديث، في الرؤية الملكية ضرورة سيادية تفرضها طبيعة المرحلة، حيث يتقاطع الداخل مع الخارج في تشكيل معادلة الاستقرار ، وفي هذا الإطار، تتجلى خصوصية النموذج الأردني في قدرته على إدارة التوازي بين الإصلاح والاستقرار، بحيث لا يأتي التحديث على حساب التماسك، ولا يُستخدم الاستقرار ذريعة لتأجيل التحول، بل يتم الجمع بينهما ضمن رؤية تدريجية واعية تستند إلى قراءة دقيقة للواقع.

​إن الرسالة الجوهرية التي وجهها جلالة الملك من خلال هذا اللقاء المرجعي هي أن الأردن قوي بتماسك جبهته الداخلية ووعي نخبه وسرعة استجابته للمتغيرات، وأن القدرة على تحويل التحديات إلى فرص تبدأ من امتلاك قرار وطني مرن يستند إلى قراءة دقيقة للواقع واستشراف واعٍ للمستقبل ، وفي هذا الإطار، يتبدى الأردن كدولة تمارس دور "قوة التوازن" في الإقليم، لا عبر الانخراط في محاور، بل عبر تثبيت معادلة الاستقرار ومنع الانزلاق نحو الفوضى، وهو دور يتطلب دقة في التموضع ومرونة في إدارة التحالفات.

​إن الاستشراف الملكي يضعنا أمام استحقاق وطني يتطلب من كافة رجالات الدولة ومؤسساتها الانتقال من مربع "الانتظار" إلى مربع "المبادرة"، والعمل بروح الفريق الواحد لتحصين المنجز الوطني، في لحظة أصبح الحسم المدروس ضرورة سيادية ، فالدولة التي يقودها ملك يقرأ القادم بوضوح، وتمتلك نخباً سياسية تدرك حجم المسؤولية، هي دولة قادرة على ريادة الطريق نحو مستقبل عربي أكثر استقراراً وازدهاراً، وصياغة دور فاعل لا يكتفي بالتأثر بالتحولات، بل يسهم في توجيه مساراتها.

​إن اهم ما في هذا الخطاب أنه يكشف عن تحول نوعي في طبيعة التهديدات، حيث لم يعد الخطر محصوراً في صراع واحد، بل في تزامن مسارات التصعيد، بما يحول الإقليم إلى ساحة مفتوحة على احتمالات الانفجار المتعدد ، ومن هنا، فإن الاستشراف الملكي يقرأ القادم بوصفه مرحلة مختلفة كلياً، تتطلب من الدولة الانتقال من إدارة الأزمات إلى هندسة الاستقرار، وهو التحدي الحقيقي الذي يواجه الأردن في هذه اللحظة التاريخية.

​وبهذا المعنى، فإن ما يطرحه الخطاب الملكي لا يندرج ضمن إدارة اللحظة فحسب، بل يؤسس لمرحلة يكون فيها الاستقرار فعلاً مُداراً، لا نتيجة ظرفية، وهو الفارق بين دولة تتفاعل مع الأزمات، ودولة تعيد تعريف قواعد التعامل معها.

والله الموفق





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :