"الاردن بخير وسيبقى بخير" .. رسالة ثقة ملكية
المحامي لؤي عمايرة
09-04-2026 02:26 PM
“الأردن بخير وسيبقى بخير” رسالة أعمق من جملة طمأنة قيلت لتهدئة مزاج عام قلق. إنها، في جوهرها، منطوق ملكي لتعريف الدولة لنفسها في لحظة تختبرها فيها الجغرافيا، وتضغط عليها النار، ويراد لها أن ترتبك، فلا ترتبك.
في هذه العبارة، يرسخ جلالة الملك عقيدة دولة، ويقين مؤسساتي، وثقة سيادية بالنفس. ويعبر عن إدراك عميق بأن أخطر ما يراد بالأوطان في لحظات الإقليم المشتعل هو كسر ثقتها بذاتها قبل السعي لكسر سيادتها وحدودها. إن توقيت العبارة لا يقل أهمية عن مضمونها. فأن يقولها جلالته في ذروة اضطراب إقليمي مفتوح، فذلك يعني أن الأردن يقرأ المشهد من موقع الدولة الواثقة التي تعرف وزنها ومؤسساتها وأدواتها، وما يجب أن تفعله حين تتسع دوائر الفوضى من حولها.
الجملة الملكية، بما تحمل من دلالات زمانية في الحاضر والغد، حملت رسالة واضحة إلى الداخل: الدولة راسخة بأدواتها الصلبة والناعمة، لا تُفاجَأ ولا تدار بردّ الفعل، ولا تترك مجتمعها نهبا للشائعات والمناخات الرمادية واقتصاد الهلع. على أن الرسالة إلى الخارج كانت أوضح: الأردن ليس فراغا جيوسياسيا، ولا ساحة رخوة، ولا دولة قابلة للابتزاز تحت ضغط النار وعلى قدر عال من الجاهزية والانتباه.
ومن هنا، فإن إشارة جلالة الملك عن المخزون الاستراتيجي في دلالتها تأكيد ملكي أن الدولة تفهم الأمن الوطني -ولا تختزله في السلاح والحدود فقط- أيضا في القمح والدواء والطاقة وسلاسل الإمداد، وفي قدرة المجتمع على الصمود حين تضطرب الأسواق وتُغلق الممرات وتعلو كلف الاضطراب. وفي قدرة الادارة العامة للدولة على احتواء الارتدادات الاقتصادية والاجتماعية للصراعات الاقليمية. فالأمن الوطني، في المعنى الملكي الذي طُرح، أن تمنع الاضطراب اقليميا من التحول إلى هشاشة داخلية. وفي هذا تحديدا، حمل الخطاب الملكي إعادة تعريف أردنية لمفهوم السيادة: فالسيادة أن تحرس حدودك وقرارك، ومخزونك واستقرارك الاجتماعي، وثقة شعبك، ومنعتك الاقتصادية، ووضوح بوصلتك السياسية.
وفي المقابل، لم يسمح جلالة الملك بأن تبتلع عناوين الحرب القضية الأصل. وهنا تتجلى إحدى أهم طبقات الخطاب السياسي الأردني: القدرة على مقاومة الإلهاء الجيوسياسي. فبينما تنشغل المنطقة بسقوف التصعيد ومسارات الردع، أعاد جلالته توجيه البوصلة إلى حيث يجب أن تكون: الضفة الغربية والقدس وغزة، والمشروع الصهيوني المستمر في استثمار الفوضى لتوسيع العدوان وتغيير الوقائع. فأخطر ما تفعله الحروب الكبرى هو أنها تمنح الاحتلال فرصة العمل تحت الضجيج. من هنا، فإن التحذير الملكي من المساس بالوضع التاريخي والقانوني في القدس، ومن مشاريع الضم في الضفة، لا ينبغي قراءته كإعادة تذكير بالموقف الأردني التقليدي، هو بالتأكيد إعلان اشتباك سياسي وقانوني وأخلاقي مع لحظة يراد فيها تصفية القضية بالتدرج وتفكيكها بالأمر الواقع. وهو أيضا دفاع صلب عن معنى الدور، وشرعية الوصاية، وثبات الرواية، وحق المنطقة في ألا تُعاد صياغتها بالكامل على مقاس القوة الإسرائيلية المنفلتة.
لقاء الحسينية تجاوز صورة لقاء احاطة وتقييم سياسي وسُنة تشاور رأس الدولة مع بعض رصيدها السياسي، لقاء الحسينية يقرأ باعتباره رسائل دولة، صيغت بعناية في مواجهة مشهد شديد السيولة والالتباس واقليم يعاد تشكيله بالنار، رسائل تجدد تقديم الاردن نموذجا في الإقليم: دولة تتكلم بثقة وصلابة وتعرف كيف تنجو من الحرائق، وتبني -في قلبها- منطقها الخاص في الصمود والسيادة، وتكتب موقعها في التاريخ بوعي واتزان.
* عضو مجلس نقابة المحامين