الهدنة القلقة في الشرق الأوسط
د.عبدالله القضاة
09-04-2026 02:42 PM
* قراءة في تداعيات الاتفاق الأمريكي-الإيراني وإعادة هندسة المحاور الإقليمية
في لحظة تاريخية فارقة، ألقى اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران في أبريل 2026 بظلاله الكثيفة على المشهد الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، ليفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة صياغة موازين القوى. هذا الاتفاق، الذي تبلور عبر وساطة باكستانية فاعلة، يتجاوز كونه مجرد هدنة عسكرية مؤقتة، ليصبح محركاً لعملية "إعادة هندسة" شاملة للخارطة الأمنية والسياسية في المنطقة، واضعاً القوى الإقليمية أمام استحقاقات استراتيجية غير مسبوقة.
إن القراءة المتأنية لهذا التحول تفرض علينا طرح تساؤلات جوهرية حول مآلات هذا المسار؛ فهل يمثل وقف إطلاق النار بالنسبة لإسرائيل خسارة استراتيجية أم مجرد إعادة تموضع تكتيكي؟ الواقع يشير إلى أن إسرائيل تواجه اليوم تحدياً معقداً يمس جوهر أمنها القومي. فبعد أسابيع من المواجهة التي استهدفت تقويض القدرات الإيرانية، جاء الاتفاق ليوقف الزخم العسكري الأمريكي دون المساس بالبنية الصلبة للقوة الإيرانية، سواء في ملفها النووي أو الصاروخي. هذا المشهد يكرس حالة من "تآكل الردع المطلق"الذي سعت تل أبيب لترسيخه، حيث تحول الطموح من تدمير المنشآت إلى التفاوض على "حق التخصيب" ورفع العقوبات، مما يضع إسرائيل في حالة من العزلة الاستراتيجية، خاصة بعد استبعاد لبنان من مظلة الاتفاق، وترك الجبهة الشمالية في مواجهة مباشرة ومنفردة مع حزب الله تحت توصيف "المناوشة المنفصلة".
أما على المقلب الآخر، فإن التساؤل حول "تخلي" طهران عن لبنان يجد إجابته في عمق "البراغماتية السيادية" للدولة الإيرانية. إن عدم شمول لبنان في الاتفاق ليس تراجعاً بمفهومه التقليدي، بل هو تكتيك "تفكيك الجبهات" لحماية المركز. فالأولوية القصوى للقيادة الإيرانية في لحظات الخطر الوجودي تظل حماية الأراضي الإيرانية وضمان انسيابية الموارد عبر مضيق هرمز. ومن هنا، نجحت طهران في تحييد التهديد المباشر عن عمقها، مع الإبقاء على الساحة اللبنانية كـ "صمام أمان" وورقة ضغط استنزافية لإسرائيل، مما يمنحها مرونة تفاوضية أكبر في الملفات الاقتصادية ورفع العقوبات التي تشكل عصب استقرار النظام.
هذا التحول البراغماتي في السياسة الإيرانية سيترك ندوباً غائرة في جسد "محور المقاومة". إن شعور الأذرع الإقليمية، وفي مقدمتها حزب الله، بأنها تركت وحيدة في دائرة النار بينما تنعم طهران بهدنة دبلوماسية، سيؤدي حتماً إلى اهتزاز الثقة في مفهوم "وحدة الساحات". ومن المتوقع أن نشهد توجهاً لدى هذه الأذرع نحو "المحلية" والبحث عن توازنات وطنية داخلية تقلل من ارتهانها لمظلة إقليمية قد تتقلص في أي لحظة لحماية المركز، مما يغير جذرياً طبيعة العلاقة العضوية التي سادت لعقود بين طهران ووكلائها.
وفي ظل هذا الفراغ الأمني الناتج عن تذبذب الدور الأمريكي، تبرز مؤشرات ولادة "محور استقرار"إقليمي جديد يجمع السعودية ومصر وتركيا. هذا التقارب الذي بدأت ملامحه تتبلور في فبراير 2026، يمثل ضرورة استراتيجية لسد الفراغ الأمني عبر تكامل دفاعي واقتصادي يهدف إلى خلق توازن قوى ذاتي يقلل الاعتماد على الحماية الخارجية. إن التعاون الدفاعي المتنامي بين الرياض وأنقرة، والتنسيق السياسي مع القاهرة، يمهد الطريق لنشوء قطب إقليمي قادر على فرض معادلة أمنية متزنة بعيداً عن الاستقطابات الحادة.
أما بالنسبة لدول الخليج والأردن، فإن مآلات هذه الحرب تفرض واقعاً مزدوجاً من التحديات والفرص. فبينما تواجه دول الخليج ضغوطاً اقتصادية ناتجة عن تقلبات أسعار النفط وأمن الملاحة في هرمز، فإنها تمتلك الفرصة لتعزيز سيادتها الدفاعية وتنويع تحالفاتها.
وبالنسبة للأردن، الذي يمثل "الرئة الجيوسياسية" للمنطقة، فإن الاتفاق يحمل انعكاسات إيجابية من حيث خفض احتمالات الانزلاق نحو حرب شاملة كانت ستهدد أمنه الوطني مباشرة. ومع ذلك، يظل الأردن حذراً، مستمراً في سياسته الخارجية الرصينة التي تقوم على التوازن الاستراتيجي وحماية الحدود، مع التأكيد على ضرورة الدعم الدولي لمواجهة الضغوط الاقتصادية وموجات اللجوء المحتملة.
ختاماً، إن ما نشهده اليوم هو "هدنة قلقة" في مشهد إقليمي مضطرب، نجحت فيه إيران في حماية مركزها، وحققت فيه واشنطن أهدافاً اقتصادية آنية، بينما بقيت الأطراف الأخرى في مواجهة مفتوحة مع المجهول.
إن المستقبل في الشرق الأوسط لن تصنعه التفاهمات العابرة بين القوى الكبرى فحسب، بل ستحدده قدرة الدول الإقليمية المحورية على بناء تحالفات صلبة تؤسس لاستقرار مستدام مبني على المصالح المشتركة واحترام السيادة الوطنية، بعيداً عن صراعات الوكالة التي استنزفت مقدرات المنطقة طويلاً.
* خبير ومحلل استراتيجي