بين الرأي والمسؤولية .. أين تتغير المواقف ولماذا؟
أ. د. هاني الضمور
12-04-2026 12:12 AM
في النقاش العام، يبدو الموقف واضحاً عندما يكون صاحبه خارج دائرة القرار. تُطرح الأفكار بثقة، وتُقدَّم الانتقادات بجرأة، وتُرسم السياسات على الورق دون قيود تُذكر. لكن ما إن ينتقل الشخص نفسه إلى موقع المسؤولية، حتى تتبدل النبرة، وتتغير الأولويات، وتصبح اللغة أكثر حذراً، بل أحياناً أكثر تبريراً. هنا يبرز سؤال جوهري يتعلق بمصداقية اتخاذ القرار: هل الذي تغيّر هو المعطيات، أم طريقة التعامل معها؟ التحول في المواقف ليس دائماً سلبياً. فالمسؤولية تكشف تفاصيل لا تظهر من الخارج، وتضع صاحب القرار أمام اعتبارات معقدة تتعلق بالتوازن بين الممكن والمأمول، وبين الواقع والخيارات المتاحة. من الطبيعي إذن أن يعيد المسؤول تقييم بعض مواقفه عندما تتسع أمامه الصورة. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يكون هذا التحول ناتجا عن فهم أعمق، بل عن ضغط الموقع، أو إغراء السلطة، أو الرغبة في تمرير القرار بدل مراجعته.
في هذه الحالة، تتحول المسؤولية من موقع لاتخاذ القرار إلى موقع للدفاع عنه. يُستبدل النقاش بالتبرير، وتُعاد صياغة المواقف السابقة لتتوافق مع الاتجاه الجديد، ويصبح الهدف هو الحفاظ على القرار لا تحسينه. وهنا تتآكل المصداقية، لأن الفارق بين ما قيل سابقاً وما يُمارس لاحقاً لم يُفسَّر، بل تم تجاوزه.
الأخطر أن هذا التحول لا يمر دون أثر. فحين يرى المتابع أن من كان ناقداً أصبح مبرراً، ومن كان واضحاً أصبح غامضاً، تتراجع الثقة، ليس في الشخص فقط، بل في عملية اتخاذ القرار نفسها. ويصبح الانطباع السائد أن المواقف ليست مبنية على قناعة، بل على موقع.
في الواقع، المصداقية لا تعني الثبات المطلق على الرأي، بل تعني القدرة على تفسير التغيير. فإذا تغيّر الموقف، يجب أن يُقال لماذا. ما الذي تغيّر في المعطيات؟ ما الذي فُهم بشكل مختلف؟ ما الذي فرض إعادة النظر؟ هذا الوضوح لا يضعف المسؤول، بل يعزز ثقة الناس به، لأنه يُظهر أن القرار ليس ارتجالياً، بل نتيجة مراجعة واعية.
أما حين يغيب هذا التفسير، ويُكتفى بتغيير الاتجاه دون توضيح، فإن الفجوة تتسع بين الخطاب والممارسة. ويصبح من الصعب التمييز بين التكيّف المسؤول مع الواقع، وبين التراجع عن القناعة تحت ضغطه.
في الدول التي تبني قراراتها على أسس مؤسسية، لا تُترك المواقف لتتغير حسب الأشخاص، بل تُضبط بمنهج واضح يضمن الاستمرارية والمساءلة. أما عندما ترتبط القرارات بالأفراد أكثر من ارتباطها بالمؤسسات، فإن هذا النوع من التحول يصبح أكثر حضوراً، وأكثر تأثيراً.
في النهاية، ليس المطلوب أن يبقى المسؤول أسيراً لما قاله قبل توليه المنصب، بل أن يبقى أميناً لمنهج واضح في التفكير واتخاذ القرار. الفرق كبير بين من يطوّر رأيه بناءً على فهم أعمق، وبين من يغيّره لأن موقعه تغيّر.
المصداقية لا تُقاس بثبات المواقف، بل بوضوحها. وعندما يُفقد هذا الوضوح، يصبح القرار أقل إقناعاً، حتى لو كان صحيحاً في جوهره. لأن الناس لا تبحث فقط عن القرار، بل عن القصة التي بُني عليها.
الدستور