"عيد الفصح المجيد" اختبار للأخلاق لا للهوية
فيصل تايه
12-04-2026 10:01 AM
يأتي عيد الفصح المجيد هذا العام، في منطقةٍ تتعبها الانقسامات، وتثقلها الهويات المتصارعة، لا كذكرى دينية تخص المسيحيين وحدهم، بل كسؤال مفتوح أمام الجميع : كيف يمكن للإيمان أن يكون جسراً لا جداراً، ومصدراً للرحمة لا سبباً للفرقة؟ إذ ان الأعياد الدينية ليست مجرد محطات روحية ، بل تحولت "في معناها الأعمق" إلى اختبارات حقيقية للضمير الإنساني ولصلابة القيم التي ندعي اعتناقها.
في الأردن، لا نجد أنفسنا أمام "نظرية" للتعايش، بل أمام "حقيقة" معاشة وتاريخية صمدت عبر الأجيال ، اذ اننا هنا، في هذه الأرض التي باركتها خطى الأنبياء، ندرك أن الوئام ليس هبة ، بل هو ثمرة وعي مجتمعي وحرص قيادي جعل من التنوع قوة لا ضعفاً ، لذلك فإن مشهد تبادل التهاني بين المسلمين والمسيحيين في أحيائنا ومدننا ليس مجرد "بروتوكول" اجتماعي، بل هو تعبير عن "هوية وطنية جامعة" انصهرت فيها القلوب قبل النصوص، لتشكل درعاً حصيناً يحمي مجتمعنا من رياح الفتنة التي تعصف بما حولنا.
في أحياء كثيرة، قد تسمع صوت الأذان يتداخل مع قرع أجراس الكنائس، في سيمفونية وجدانية لا يشعر أحد أن فيها تناقضاً، بل يراها الجميع تجسيداً لوحدة المصير ، لكن ما يمنح هذا المشهد عمقه الحقيقي ليس العادة الاجتماعية فحسب، بل الأساس الديني الرصين الذي يقوم عليه ، فالإسلام، حين يُفهم في أصوله لا في انحرافاته، لا يرى في اختلاف العقائد تهديداً، بل جزءاً من سنة التنوع الإنساني التي أرادها الخالق ، والإيمان في هذا السياق لا يُقاس بمدى الانغلاق، بل بقدرته على إنتاج أخلاقٍ تتسع للآخر دون أن تتنازل عن ثوابتها، وبقدرته على تحويل العبادة إلى سلوك حضاري يخدم الإنسان أينما كان.
إن السيد المسيح عليه السلام، في الوعي الإسلامي، ليس “آخراً” بالمعنى الديني الإقصائي، بل هو نبي كريم ارتبطت سيرته بمعاني الطهر والمعجزة والرحمة، ووصفه القرآن الكريم بأنه “كلمة من الله” وبأنه “روح منه” ، وهذا الحضور الوجداني يمنح المسلم مدخلاً طبيعياً لفهم رمزية هذا العيد، لا من موقع التبني العقدي، بل من زاوية التقدير الإيماني المشترك لقيم الحق والعدالة ، ففكرة الانتصار على الألم، والإيمان بأن النهايات ليست سوى بدايات مؤجلة لانتصار الروح، هي فكرة يسكن صداها عميقاً في الوعي الإنساني والرسالات السماوية على حد سواء.
غير أن القيمة الحقيقية في هذا التلاقي لا تكمن في محاولة تذويب الاختلافات، بل في كيفية إدارتها بوعي ورقي ، فالعالم العربي اليوم يقدم، في أكثر من مكان، نماذج مؤلمة لتحويل الدين إلى أداة صراع ووقود للحروب، وفي ظل هذا القتوم، يصبح الحفاظ على النموذج الأردني المتوازن فعلاً نضالياً وحضارياً بامتياز ، فالتعايش هنا ليس موقفاً حيادياً بارداً، بل هو انحياز كامل ضد الفوضى، واختيار واعٍ بأن يكون الدين قوة بناء وسلام، لا معول هدم أو إقصاء.
من هنا، فإن تهنئة المسلم لأخيه المسيحي في عيده تتجاوز حدود “المجاملة” لتصل إلى مستوى الشهادة على نضج الفهم الديني، والثقة بالذات التي لا ترى في حضور الآخر أي تهديد لوجودها ، بل يمكن القول، بوضوح، إن الإيمان الذي يخشى الانفتاح على الآخر هو إيمان هش لم يكتشف بعد سعة رحمة الخالق ، وفي نهاية المطاف، فإن الناس في مدننا وقرانا يعيشون هذه الشراكة ببساطة وعفوية، وهذا ربما هو الدرس الأبلغ الذي يجب أن تتعلمه النخب الفكرية والسياسية من وجدان الشعب.
ومع ذلك، يبقى التحدي الحقيقي ماثلاً في تحويل هذه القيم من "سلوك موسمي" تفرضه المناسبات، إلى "وعي دائم" يحكم الممارسة اليومية ، فالأعياد هي المرآة التي تكشف ما نحن عليه من رقي أو تراجع، لكنها لا تصنع الأخلاق وحدها إن لم تكن مغروسة في التربية والتعليم والإعلام ، فهذا الاحترام المتبادل سيبقى اللغة السائدة حين تغيب شمس العيد ، مجسداً ثقافة راسخة تحكم مواقفنا في العمل، وفي الشارع، وفي الخطاب العام .
إن عيد الفصح المجيد، في جوهره العميق، ليس مجرد احتفاء بقيامة في بعدٍ لاهوتي، بل هو تذكير بحاجة البشرية الدائمة إلى “قيامة أخلاقية” شاملة ، قيامةٍ من رماد التعصب إلى نور الفهم، ومن ضيق الانغلاق إلى رحابة الإنسانية، ومن قلق الخوف إلى سكينة الثقة ، وهذه القيامة الأخلاقية هي المخرج الوحيد لمجتمعاتنا اليوم لكي تستعيد دورها في صناعة الحضارة.
إننا في الأردن، ونحن نحتفل بهذه المعاني، نبعث برسالة هادئة لكل من يحاول العبث بهوية المنطقة: أن قوة الإيمان الحقيقية لا تظهر في تشييد الجدران أو صلابة الحدود المصطنعة، بل في سعة الأفق وقدرة القلوب على احتواء الجميع ، وإن الإنسان، قبل أي تصنيف أو انتماء، مسؤول عن أن يجعل من إيمانه طاقة للارتقاء بالعالم وتضميد جراحه، لا سبباً في تمزيقه.
فكل عام والأردن بقيادته وبجميع أبنائه بخير، وكل عام والإنسانية أقرب إلى معناها الحقيقي الذي أراده الله لها.