الأردن في عصر الذكاء الاصطناعي الوكيل: هل نصنع المستقبل؟
د. علي الروضان
12-04-2026 10:49 AM
يدخل العالم اليوم عصرًا جديدًا من الذكاء الاصطناعي، لم تعد فيه الأنظمة الذكية مجرد أدوات مساعدة، بل تحولت إلى “وكلاء” قادرين على التفكير والتخطيط والتنفيذ بشكل شبه مستقل. نحن أمام ما يُعرف اليوم بـ“عصر الذكاء الاصطناعي الوكيل” (Agentic AI)، وهو تحول لا يغيّر الأدوات فحسب، بل يعيد تشكيل طريقة عمل المؤسسات، وطبيعة الخدمات، ومنطق التنافس بين الدول.
الأرقام العالمية تعكس تحولًا جذريًا، إذ يتجه سوق الذكاء الاصطناعي الوكيل إلى الوصول إلى 10.8 مليار دولار في عام 2026، ومن المتوقع أن تدمج 40% من تطبيقات المؤسسات وكلاء ذكاء اصطناعي متخصصين بحلول نهاية هذا العام، بعد أن كانت أقل من 5% فقط في عام 2025. وقد وضعت شركة Gartner أنظمة الوكلاء متعددي المهام (Multi-Agent Systems) ضمن أهم الاتجاهات الاستراتيجية لعام 2026، بينما رفعت Citigroup توقعاتها للإنفاق الرأسمالي العالمي على الذكاء الاصطناعي خلال الفترة 2026–2030 إلى 8.9 تريليون دولار.
لكن الأهم من الأرقام هو ما تعنيه، نحن لا نتحدث عن “روبوت محادثة” يجيب على أسئلة المستخدمين، بل عن “فرق عمل رقمية” متكاملة، وكيل يبحث، وآخر يحلل، وثالث ينفذ، ورابع يراقب، تعمل معًا لإنجاز مهام كانت تتطلب فرقًا بشرية كاملة.
ورغم التحديات، يمتلك الأردن مجموعة من المقومات التي تضعه في موقع متقدم إذا ما أُحسن استثمارها. فالأردنيون، رغم أنهم يشكلون نحو 3% فقط من سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يمثلون 23% من أفضل 100 شركة ناشئة عربية وفق المنتدى الاقتصادي العالمي. كما أن أكثر من 70% من السكان تحت سن الثلاثين، ما يشكل قاعدة شبابية قادرة على قيادة التحول الرقمي.
كما أن الأردن قطع خطوات مهمة على المستوى الاستراتيجي والتنظيمي، من خلال إطلاق الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي (2023–2027)، التي تضم 68 مشروعًا موزعًا على 12 قطاعًا ذا أولوية، إلى جانب استراتيجية التحول الرقمي (2026–2028)، التي تتضمن 57 مشروعًا عالي الأثر، من بينها “محور العقبة الرقمي”، الذي يرسخ مكانة الأردن كجسر رقمي عابر للقارات.
وعلى مستوى ريادة الأعمال، شهدت الشركات الناشئة الأردنية نموًا ملحوظًا، حيث وصلت الاستثمارات إلى نحو 300 مليون دولار في عام 2024، مع نجاح بعض الشركات في الوصول إلى برامج عالمية في وادي السيليكون، مثل شركة Firstflow التي تعمل في تحليلات وكلاء الذكاء الاصطناعي. كما يمثل قانون حماية البيانات الشخصية (PDPL) خطوة متقدمة تضع الأردن في موقع تنافسي، خاصة في ظل بحث الشركات العالمية عن بيئات تنظيمية واضحة وآمنة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
لكن، رغم هذه المقومات الواعدة، فإن المرحلة المقبلة تستدعي تركيزًا أكبر على عدد من الأولويات الاستراتيجية التي تعزز قدرة الأردن على التحول من الاستعداد إلى الريادة. وفي مقدمة ذلك، مواصلة تطوير البنية التحتية الحوسبية، بما في ذلك الحوسبة السحابية ومراكز البيانات، بوصفها أساسًا تقنيًا لا غنى عنه لبناء منظومة ذكاء اصطناعي متقدمة ومرنة وقادرة على مواكبة الطموحات الوطنية.
إلى جانب ذلك، تظهر فجوة المهارات المتقدمة، حيث يتطلب الذكاء الاصطناعي الوكيل قدرات جديدة في هندسة الأنظمة متعددة الوكلاء (Multi-Agent Systems Engineering)، وأمن الأنظمة الذكية (AI Systems Security)، وتصميم التفاعل بين الإنسان والآلة (Human-AI Interaction Design). كما أن فجوة الحوكمة التنفيذية (AI Governance) لا تزال قائمة، إذ إن ترجمة المبادئ الأخلاقية إلى أطر تشغيلية فعّالة تتطلب تكاملًا مؤسسيًا واضحًا.
في هذا السياق، يصبح من الضروري تبني رؤية وطنية واضحة تقوم على تمكين الأردن ليكون مركزًا إقليميًا لتطوير حلول الذكاء الاصطناعي الوكيل المتخصصة، بالاعتماد على العقول والكفاءات الوطنية.
ولتحقيق ذلك، تبرز الحاجة إلى إنشاء “المركز الوطني للذكاء الاصطناعي وصنع القرار”، ليكون مظلة وطنية تجمع بين الحكومة والجامعات والقطاع الخاص، ويعمل على تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة تسهم في رفع كفاءة القرار، وتسريع الاستجابة، وبناء سياسات أكثر دقة وفاعلية في مختلف القطاعات الحيوية، ليشكل بذلك العقل التحليلي الوطني الذي يدعم صانع القرار بالبيانات والنماذج التنبؤية.
كما يمكن إطلاق برنامج وطني لتطوير “100 وكيل ذكي أردني” خلال عامين، في قطاعات التعليم والصحة والسياحة والزراعة والخدمات المالية، بحيث يقدم كل نظام حلًا لمشكلة محددة، مع التركيز على بناء حلول مصممة وفق احتياجات اللغة والسوق العربي (Arabic-First)، ما يشكل ميزة تنافسية حقيقية على المستوى الإقليمي.
ومن المهم أيضًا إنشاء بيئة تنظيمية تجريبية (Regulatory Sandbox) تتيح للشركات اختبار حلول الذكاء الاصطناعي ضمن إطار قانوني مرن وآمن، بما يعزز جذب الاستثمارات، في وقت باتت فيه الأطر التنظيمية الواضحة شرطًا مهمًا للتوسع في هذا المجال عالميًا.
كما يتطلب الأمر إعادة هندسة المناهج الجامعية (Curriculum Re-engineering) بشكل جذري، بحيث لا تقتصر على تدريس الذكاء الاصطناعي، بل تمتد لتشمل تصميم الأنظمة متعددة الوكلاء، وأمنها، وأخلاقياتها التطبيقية، بما يضمن إعداد جيل قادر على التعامل مع هذا التحول التقني المتسارع.
الأردن يمتلك المقومات الأساسية: الكفاءات، والموقع الجغرافي، والرؤية، لكنه اليوم بحاجة إلى تسريع التنفيذ وتعميق التخصص. فلسنا بحاجة إلى أن نكون الأكبر، بل الأذكى والأسرع والأكثر قدرة على تحويل الفرصة إلى إنجاز. والسؤال لم يعد: هل نستطيع؟ بل: هل سنبدأ الآن؟