في الأردن لا نعيش تعايشًا .. بل نعيش كأهل
م. وائل سامي السماعين
13-04-2026 08:27 AM
في مقابلة مع فؤاد الكرشة، وفي ختام اللقاء، عزمت الخالة وداد المدانات، كما يلفظها أهل الكرك “المدينات”، فؤاد على تناول بعض الحلوى، لكنه أخبرها أنه صائم مثلها. وخلال المقابلة، قبلته كابن لها مرتين، وكانت تنظر إليه بمحبة الجدة لحفيدها، ولم يخطر ببالها أن تسأله: أهو مسلم أم مسيحي؟ ولا من أين أصوله؟ بل اكتفت بعفوية طيبة أهل الكرك، وبساطة الأردنيين التي ترى الإنسان قبل أي توصيف آخر.
وفي مشهد آخر، نشرت إحدى الأخوات الفاضلات المقيمات في كندا أنها كانت في إحدى الدوائر الحكومية في إقليم واترلو، ولاحظت وجود غرفة مخصصة للصلاة كُتب على بابها: Multifaith Room. وحين حان وقت الظهر، استأذنت من القائمين على المكان ودخلت لتصلي، ثم عبّرت عن فرحتها بهذه اللفتة التي تعكس احترام التنوع الديني، معتبرة أن احترام التنوع العرقي والثقافي والديني يعزز الأمن الداخلي في الدول.
وقد علّقتُ على ذلك بأن هذا النهج يرتبط بطبيعة النظام السياسي العلماني المطبق في كثير من دول العالم، ومنها كندا، وكذلك في بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة، مثل تركيا وإندونيسيا وغيرها، حيث يتيح هذا النظام احتضان التنوع الثقافي والديني داخل المجتمع. ويكفي في هذا السياق أن نعلم أن هناك نحو 79 دولة يصرّح دستورها بعلمانية الدولة، ومن بينها نحو 21 دولة ذات أغلبية مسلمة . و كما أن هذا النموذج السياسي تبلور تاريخيًا بعد أن دفعت البشرية أثمانًا باهظة من الصراعات والمذابح بين أتباع الديانات والمعتقدات المختلفة، فكان لا بد من صيغة سياسية تكفل الحقوق وتحفظ الكرامة وتمنع تحوّل الاختلاف إلى صدام.
لكن هاتين الصورتين تفتحان الباب أمام معنى أعمق من مجرد استخدام مصطلح التعايش. فالتعايش، في معناه الشائع، يوحي بوجود جماعات متمايزة تتقارب أو تتسامح أو تتفاهم رغم اختلافها. أما في الأردن، فالمسألة تاريخيًا ومجتمعيًا أعمق من ذلك بكثير. هنا لم يعش الناس بوصفهم جماعات منفصلة تبحث عن صيغة للتقارب، بل عاشوا كأهل، تجمعهم المروءة، وتربطهم الكرامة، وتحكمهم علاقة طبيعية لم تجعل اختلاف الدين أو الأصل حاجزًا بينهم.
ولهذا، فإن وصف الأردن بأنه مجرد نموذج للتعايش قد لا يكون دقيقًا بما يكفي. فالأردن لم يكن مجرد مساحة يلتقي فيها المختلفون تحت مظلة التسامح، بل كان مجتمعًا واحدًا في جوهره، يتقدم فيه معنى الأهل على معنى الفوارق، وتعلو فيه قيمة الإنسان على التصنيفات الضيقة. فالأردنيون لم يكتفوا بالعيش معًا، بل عاشوا لبعضهم، وتقاسموا الهموم والفرح والمصير ضمن شعور عميق بالشراكة الوطنية والإنسانية.
ومن هنا، فإن جوهر الدولة المدنية الجامعة، التي تحفظ كرامة الإنسان وتحتضن الجميع تحت سقف الوطن بغض النظر عن معتقداتهم وأصولهم، ليس غريبًا عن البيئة الأردنية، ولا طارئًا عليها. بل إن المجتمع الأردني عرف هذا المعنى في سلوكه الاجتماعي، وفي فطرته الإنسانية، قبل أن تتحول هذه القيم في العالم الحديث إلى مصطلحات سياسية ونماذج دستورية ونظريات فكرية.
إن الأردن، في حقيقته، لم يقم على مجرد القبول بالآخر، بل على اعتباره جزءًا من النسيج ذاته. ولهذا، فالأدق أن نقول إن الأردن ليس ساحة تعايش بالمعنى الضيق، بل وطن لوحدة مجتمعية أصيلة، وشراكة إنسانية راسخة، وهوية جامعة لا تفرّق بين أبنائها على أساس الدين أو الأصل، بل تضمهم جميعًا تحت راية الكرامة والانتماء.
فالأردن، في جوهره، يجمع ولا يفرّق، ويحتضن ولا يقصي، ويقدّم نموذجًا إنسانيًا سبق في مضمونه كثيرًا من المصطلحات الحديثة، لأنه قام منذ البداية على ما هو أسمى من التعايش: على الأهلية، وعلى الشراكة، وعلى وطن يرى أبناءه جميعًا أسرة واحدة.
وختامًا، يمكن القول إن أجدادنا الأردنيين جسّدوا الجوهر الإنساني لفكرة العلمانية في سلوكهم وممارساتهم قبل أن تُصاغ حديثًا كمفهوم سياسي.
waelsamain@gmail.com