حين تُحكم النبوءة القرار: الشرق الأوسط على حافة حرب يكتبها الإيمان لا المصالح
د.عبدالله القضاة
13-04-2026 10:01 AM
لم يعد السؤال الملحّ في الشرق الأوسط اليوم هو: هل تندلع المواجهة الكبرى؟ بل أصبح السؤال الأكثر عمقاً وخطورة: من الذي سيقبض على زمام المبادرة ويحدد لحظة الصفر—هل هو العقل الاستراتيجي البارد، أم القناعات الأيديولوجية واليقينيات الغيبية؟
إن ما نشهده اليوم في الإقليم لم يعد مجرد صراع تقليدي على نفوذ أو حدود يمكن احتواؤه بأدوات الردع المألوفة، ولا هو أزمة عابرة قابلة للإدارة عبر القنوات الدبلوماسية الكلاسيكية. نحن أمام تحوّل بنيوي وجيوسياسي بالغ الخطورة، يتمثل في انتقال مركز الثقل في صناعة القرار من منطق الدولة القائم على حسابات المصالح، إلى منطق السردية القائم على يقينيات تتعامل مع الحرب كاستحقاق تاريخي وقدر محتوم، لا كخيار سياسي أخير.
في هذه المنطقة من العالم، لا تُقرأ الجغرافيا كمساحة فيزيائية فحسب، بل ككتلة من المعاني والرموز. ولا تُدار السياسة وفق ميزان القوة المادي وحده، بل تتحرك ضمن تصورات مسبقة ومسكونة بـ "نهايات التاريخ". ومن هنا، فإن استدعاء نصوص دينية تاريخية—مثل نبوءات أسفار زكريا وحزقيال ورؤيا يوحنا اللاهوتي—لم يعد شأناً لاهوتياً معزولاً في أروقة المعابد، بل تحوّل بوضوح إلى جزء من البيئة الذهنية والوجدانية التي تتحرك في فلكها بعض دوائر القرار المؤثرة.
تكمن المشكلة الحقيقية ليس في وجود هذه النصوص، بل في "تسييسها"وتحويلها من نبوءة دينية إلى عدسة تفسير سياسية واستراتيجية. فحين تصبح النبوءة هي الإطار المرجعي، تتحول الوقائع الميدانية إلى مجرد "قرائن" تُنتقى بعناية لتأكيد ما يُراد تصديقه سلفاً. وعند هذه النقطة الحرجة، يفقد القرار السياسي حياده وعقلانيته، ويتحوّل إلى أداة لتحقيق سردية مسبقة الصنع. وهنا تحديداً، لا تعود الحرب نتيجة لفشل الدبلوماسية، بل تصبح "نجاحاً" لفكرة، وتجسيداً لانتصار السردية على الواقع.
إن أخطر ما يواجه الشرق الأوسط اليوم هو أن بعض صُنّاع القرار لم يعودوا يسألون: كيف نمنع الانزلاق نحو الهاوية؟ بل بات تساؤلهم المضمر: هل آن أوان “اللحظة الفاصلة”؟ وفي قلب هذه المعادلة المعقدة، تقف بلاد الشام ليس كساحة صراع ثانوية، بل كمركز بنيوي ومحرك تاريخي. فالقدس، برمزيتها العميقة، ليست مدينة متنازعاً عليها سيادياً فحسب، بل هي نقطة التماس الكونية التي يتقاطع فيها الدين بالتاريخ والسياسة بالهوية، مما يجعل أي اهتزاز فيها يتردد صداه كحدث عالمي يتجاوز حدود الجغرافيا المحلية.
ومع ذلك، تبرز مفارقة استراتيجية لافتة في هذه الخارطة النصية والسياسية؛ فبينما يشتعل المركز، تشير القراءات الاستراتيجية—المتقاطعة مع بعض الإشارات التاريخية كما في سفر دانيال—إلى أن مناطق شرق الأردن (عمون وموآب وأدوم) تمتلك خصوصية وظيفية تتمثل في “احتواء الصدمة” لا إنتاجها. وهنا يتجلى الموقع الاستراتيجي للأردن، ليس كدولة على هامش الأحداث، بل كصمام أمان في صميم التوازنات الدقيقة. إن قيمة الأردن لا تُقاس بالموازين المادية التقليدية، بل بقدرته الفريدة على إبقاء خيوط الاستقرار متصلة حين تنقطع في كل مكان، ومنع تحوّل الأزمات الإقليمية إلى انهيارات شاملة. بيد أن هذا الدور المحوري يزداد دقة وصعوبة في بيئة تتراجع فيها العقلانية السياسية لصالح النزعات الصفرية.
في المقابل، تتحرك إسرائيل اليوم ضمن أفق يتجاوز تحييد التهديدات الأمنية المباشرة إلى محاولة إعادة تشكيل البيئة الإقليمية جذرياً. هذا الطموح، حين يتقاطع مع السرديات التاريخية، يتحول من استراتيجية دفاعية إلى مشروع "إعادة هندسة"مفتوح على احتمالات كبرى، وهي مشاريع لا تنتهي عادة عند حدود مرسومة، بل تسعى لإعادة رسم الحدود والخرائط والوعي.
أما النظام الدولي، فيبدو اليوم في حالة "إعادة تموضع" قلقة، حيث تآكلت قدرة المراكز التقليدية على فرض إيقاع التهدئة أو توفير مظلة حماية كافية لمنع الانزلاق. ومع انشغال القوى الكبرى بتنافسها الكوني، تضيق المساحات الرمادية التي كانت تسمح سابقاً بإدارة الأزمات واحتوائها.
إن أخطر لحظة نعيشها الآن ليست لحظة التصعيد العسكري بحد ذاتها، بل هي لحظة الاقتناع الجمعي؛ بأن المواجهة باتت قدراً لا مفر منه. فعندما تُستخدم القوة لتأكيد سردية غيبية، لا لحماية مصلحة وطنية، فإن حدود السيطرة تتلاشى، ويصبح كل شيء قابلاً للانفجار الكبير.
ختاماً، قد لا تكون النبوءات هي التي تصنع التاريخ في جوهرها، لكن التاريخ غالباً ما يُصاغ وتُسفك فيه الدماء على يد من يعتقدون واهمين أنهم ينفذون مشيئة تلك النبوءات. وبين "منطق الدولة" الرصين و"منطق السردية" الجامح، تقف منطقتنا على حافة خيار مصيري حاسم: إما استعادة السياسة كفنّ لإدارة الممكن وحماية الإنسان، أو ترك المجال ليقينيات متصادمة تعيد تشكيل العالم على أنقاض ما تبقى من استقرار. فحين تتحول النبوءة إلى قرار سياسي، لا يعود السؤال المطروح هو: كيف تبدأ الحروب؟ بل يصبح: لماذا تأخرت كل هذا الوقت؟