بين حياة الأردني والإيراني
فيصل سلايطة
13-04-2026 11:57 AM
تتكرر بين الحين والآخر مقولة تدّعي أن وضع إيران، حتى في ظل الأزمات والحروب ، تقال على لسان ايرانيين أو حتى داعمين لها ، أفضل من وضع الأردن. هذه المقولة هي بكل واقعية تمثل تراجعا عميقا في التفكير و تكشف خللاً في معيار المقارنة ذاته، إذ تقوم على نقاش حالتين سياسيتين واجتماعيتين لا تتشابهان في الأساس ولا تنتميان إلى نفس السياق.
فالمقارنة المنطقية كما في العلوم السياسية والاجتماعية، تفترض تقاربًا في الظروف والبُنى والوظائف، لا أن تتم بين نموذجين متباعدين في طبيعة النظام والدور الإقليمي والواقع الداخلي.
الأردن دولة ذات بنية سياسية مستقرة نسبيًا، اعتمدت منذ نشأتها على نهج الاعتدال والتوازن، داخليًا وخارجيًا. لم تدخل في مشاريع توسع، ولم تبنِ سياساتها على تصدير الأزمات إلى الخارج، بل على العكس، كانت على الدوام ملاذًا للاجئين من محيطها المضطرب، من فلسطين إلى العراق وسوريا. هذه السياسة لم تكن مجرد خيار إنساني بل انعكاس لفلسفة دولة ترى في الاستقرار أولوية وفي الإنسان قيمة. في هذا السياق، حافظت الدولة على قدر كبير من الأمان المجتمعي، حيث لم يتحول الداخل إلى ساحة صراع دموي، ولم تُسفك الدماء الأردنية ضمن صراعات داخلية أو حروب عبثية.
في المقابل، تقف إيران على نموذج مغاير تمامًا. فمنذ قيام نظام الثورة الإيرانية أعادت الدولة تعريف نفسها كقوة إقليمية ذات مشروع عابر للحدود، يقوم على النفوذ والتأثير في عواصم أخرى. هذا التوجه لم يأتِ دون كلفة، بل انعكس بشكل مباشر على الداخل الإيراني، حيث تراكمت الأزمات الاقتصادية، وتزايدت الضغوط الاجتماعية، وتراجعت مؤشرات جودة الحياة. كما أن طبيعة النظام السياسي الديني جعلت من السلطة مركزًا مغلقًا، محدود التعددية، يميل إلى القمع في مواجهة أي حراك داخلي.
إن الحديث عن "حياة أفضل" لا يمكن فصله عن معايير واضحة... مستوى الحريات، الاستقرار الأمني، فرص العيش الكريم، والعلاقة بين الدولة والمواطن. في الأردن، ورغم التحديات الاقتصادية والضغوط الإقليمية، لا يزال المواطن يعيش ضمن بيئة أقل توترًا من حيث الأمن الشخصي والاستقرار العام. أما في إيران، فإن المواطن يجد نفسه في كثير من الأحيان محاصرًا بين ضغوط داخلية ناتجة عن سياسات اقتصادية وسياسية، وضغوط خارجية نتيجة العقوبات والعزلة الدولية.
من جهة أخرى، فإن المقارنة تتجاهل أن إيران، كدولة ذات تاريخ عريق وثقل سكاني وجغرافي كبير، تُقاس عادةً بدول مماثلة لها في الحجم والتأثير، لا بدولة صغيرة الأردن. فكما لا يُقارن اقتصاد دولة صناعية كبرى باقتصاد دولة نامية صغيرة، لا يصح قياس دولة ذات مشروع توسعي دموي بدولة اختارت الحياد النسبي والاستقرار و السلام.
لا يمكن إنكار أن لإيران تاريخًا حضاريًا عميقًا وإرثًا ثقافيًا غنيًا، لكن هذا البعد التاريخي لا يبرر واقعًا سياسيًا أو معيشيًا معاصرًا يعاني من اختلالات واضحة. كما لا يمكن تجاهل أن الأردن، رغم محدودية موارده، استطاع أن يحافظ على تماسكه الداخلي وأن يقدم نموذجًا في الاستقرار النسبي في منطقة تعصف بها الأزمات.
لذلك فإن القول بتفوق حياة الإيراني على الأردني، خصوصًا في ظل الأزمات، ليس فقط حكمًا متسرعًا، بل هو نتيجة لمقارنة غير منطقية بين نموذجين مختلفين جذريًا. فالأردن يمثل نموذج الدولة التي تسعى إلى التوازن والاستقرار، بينما تمثل إيران نموذج الدولة المنخرطة في صراعات إقليمية ذات كلفة داخلية مرتفعة. وبين هذين النموذجين، لا يمكن بناء مقارنة عادلة بل مقارنة تقوم على "المجاكرة" أو صبيانية بالتفكير ، فالدماء تسقط أي معايير...مهما كانت الدولة غنية أو كبيرة...