facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إقرار "قانون التربية" بين طموح التشريع واستحقاقات الواقع التربوي


فيصل تايه
14-04-2026 10:00 AM

وقفنا خلال الأيام القليلة الماضية أمام استحقاق تاريخي هو الأضخم منذ عقود في تاريخ الاردن ، حيث مثل "قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لعام ٢٠٢٦" المسودة النهائية لصياغة مستقبل الأجيال في مئوية الدولة الثانية، إذ أننا لم نقرأ هذا القانون مجرد "بنود تشريعية"، بل قرأناه "خارطة طريق" رسمها جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حين أكد أن "التعليم هو جوهر التحديث، وقاطرة العبور نحو المستقبل"، وأن "الاستثمار في عقل المواطن الأردني هو أغلى ما نملك وأثمن ثرواتنا" .

وفي هذا السياق، يعد القانون تعبيراً عن وعي الدولة بمصيرها، وقدرتها على تحويل الرؤية الملكية السامية إلى منظومة سيادية قابلة للحياة والاستدامة، وهو ما يجعل قراءته ضرورة وطنية تتجاوز البعد القانوني إلى الفهم العميق لمشروع الدولة المستقبلي.

وإننا هنا نثمن الجهود التي بذلتها لجنة التربية والتعليم النيابية في تمحيص هذا القانون، فمنذ البداية كنا على يقين أن ما سيذهب إليه النواب من قرارات سيعكس نضجاً وطنياً وحرصاً أكيداً على مواءمة الطموح مع الواقع، وهو ما تجلى بوضوح في "الانتصار للهوية" عبر "المادة الثالثة"، التي أعادت التأكيد على القيم الدينية والروحية كركيزة لا تنفصم عن التحديث، حيث هذا التوجه هو الحَصان الرابح الذي يجعل من القانون حصناً يحمي أجيالنا من رياح الاغتراب المعرفي، بتأكيد أن الحداثة لا تعني الانسلاخ، بل هي تطوير يرتكز على الثوابت الراسخة .

غير أن قوة هذا النص تُقاس بمدى قدرته على الانصهار في الممارسة اليومية داخل المدرسة، حيث تُختبر القيم في السلوك التربوي الحي، وتتكشف فعلياً من خلال تحولها إلى ممارسة صفية ملموسة داخل الغرفة الصفية، وهنا يصبح معيار النجاح الحقيقي لأي تشريع تربوي مرتبطاً بالفعل لا بالنص.

بيد أن "الأمانة التربوية"، والحرص على أن يكون هذا القانون "دستوراً عابراً للحكومات" كما أراده جلالة الملك، تفرض علينا كتربويين أن نكون صوت الميدان ووجدان الوطن، وأن ننتقل من مستوى “تحليل النص” إلى مستوى “اختبار البنية الكامنة فيه” ، وهنا نفتح باباً لإشكالية أعمق لا يمكن تجاوزها بهدوء: إذا كانت التعديلات قد استندت إلى ملاحظات خبرات سابقة، فلماذا لم تترجم إلى تحول جوهري في بنية القانون؟

وإذا كنا قد استشرنا الخبراء ، ثم لم ينعكس ذلك على نحو نوعي في بنية القانون ، فإن السؤال لم يعد عن النص، بل عن منهجية التعاطي مع الخبرة ذاتها ، فهل نحن أمام إصلاح بنيوي، أم أمام اختلاف في درجات الاستجابة للملاحظات دون تمكينها من إعادة تشكيل البنية التشريعية؟ وهو تساؤل لا يستهدف جهة بعينها، بقدر ما يعكس حرصاً وطنياً على تعظيم أثر الجهد المبذول والبناء عليه بما يحقق الغاية المنشودة.

إن الإشكالية هنا لا تكمن في جمع الملاحظات، بل في القدرة على تحويلها إلى قرارات تعيد بناء المنظومة، لأن استحضار الأفكار دون تمكينها لا يصنع إصلاحاً، بل يعيد إنتاج الواقع بصيغة أكثر أناقة ، وهنا تصبح المشكلة أعمق من النص نفسه، لتطال فلسفة الإصلاح وآليات إنتاجه.

ان أولى عتبات النظر تبدأ من مسمى "تنمية الموارد البشرية"، وهو توجه يستبطن تحولاً فلسفياً نحو "أنسنة الاقتصاد"، بيد أن الذكاء الوطني يقتضي ألا يذوب الجوهر التربوي القيمي في غمرة المصطلحات النفعية، فالإنسان الأردني هو "الغاية" وليس مجرد "وسيلة إنتاج" ، وان ضبط تعريف التعليم العالي في "المادة الثانية"، وإن كان يحمي المؤسسات من الدخلاء، إلا أنه يجب ألا يُقيد المستقبل بنصوص قاصرة عن محاكاة التطور الرقمي المتسارع، لأن أخطر ما قد يواجهنا هو أن يسبق الواقع النص، فيصبح القانون قيداً بدلاً من أن يكون رافعة، وهنا تتجلى ضرورة المرونة التشريعية كشرط لبقاء القانون حياً ومواكباً للتحول المعرفي.

إن حكمة المشرع في "المادة الثالثة" بتعزيز البعد الديني، يجب أن تخرج من "خانة التنظير" لتصبح "منظومة سلوك" تتماهى مع "العلم الناقد" الذي أُقر في المادة الخامسة، فالتحول من التفكير "النقدي" إلى "الناقد" هو اعتراف بضرورة بناء جيل يمتلك "المناعة الذهنية" لفلترة المعلومات، وهو ما يستدعي ثورة في المناهج وأساليب التقييم ، فبناء العقل الناقد لا يتم بالخطاب الإنشائي، بل ببنية تعليمية تحرر المعلم والطالب معاً من قيود التلقين ، وما نحتاجه اليوم ليس تحسينات تراكمية، بل نقلة نوعية تعيد تعريف العلاقة بين النص والتطبيق، وتمنح الميدان التربوي قدرة حقيقية على التغيير، لا مجرد التكيف مع نصوص جديدة ، فالإصلاح الذي لا يلامس الجذور سيبقى يدور في فلك الشكل مهما تغيرت العناوين.

وفي مفاصل الحوكمة، وتحديداً في "المادة التاسعة"، فإن تقليص الصفة الوزارية لصالح "الخبراء" هو اعتراف صريح بضرورة "تمهين القرار التربوي"، لكنها تظل خطوة بحاجة إلى "سيادة معرفية" حقيقية تمكن المجلس من العمل كمرجعية استراتيجية فوق إدارية، لا كامتداد للمنظومة البيروقراطية ، فالمجالس لا تقاس بتنوع أعضائها، بل بقدرتها على اتخاذ القرار المستقل في اللحظة المهمة الحرجة، إذ أننا نحتاج إلى مجلس يمتلك الجرأة الفنية ليقول "لا" لكل ما لا يخدم مستقبل الأجيال، ليكون بحق "بيت الخبرة" الذي يضمن استدامة الرؤية الملكية بمعزل عن تقلبات الحقائب الوزارية، وهنا يصبح الاستقلال المؤسسي شرطاً لصناعة قرار تربوي فعّال.

أما ملف "تمهين التعليم" ورخصة المزاولة (المادة ١٨)، فهو "دستور كرامة" جديد لباني العقول، لكنه يضع الدولة أمام اختبار الإرادة ، فالمعضلة ليست في منح الرخصة، بل في بناء “سوق مهني عادل” يوازن بين الجودة والحقوق، إذ أن الرخصة بلا "رافعة معيشية" كريمة وبلا "تأهيل مؤسسي" حقيقي قد تتحول إلى أداة فرز بيروقراطي تحبط "المجتهد" ، وهذا يستدعي أنظمة مرنة تضع المعلم في مصاف المهن السيادية واقعاً لا شعاراً، وتربط الترقية بالأداء الحقيقي لا بالإجراءات الشكلية ، وفي هذا الإطار، تتجلى حقيقة الميدان التربوي بوصفه الاختبار العملي لأي إصلاح تشريعي.

وعلى ذات الصعيد، فإن مسارات التعليم المهني والتقني (BTEC) هي "رهان العبور" لكسر تابوت البطالة، لكن هذا الرهان سيبقى هشاً ما لم يتحرر من "المركزية"، ويحقق "عدالة جغرافية" حقيقية ، فالعدالة التعليمية ليست نصاً، بل ممارسة يومية تقاس بتكافؤ الفرص، ولا يمكن تحقيقها دون خطة وطنية شاملة للتجهيز المدرسي، تضمن توزيعاً عادلاً للبنية التقنية، مما يجعل إعادة هيكلة البنية التحتية التعليمية ضرورة لا خياراً.

ومن وجهة نظري، فإن الإحالة الواسعة في القانون إلى "الأنظمة التنفيذية" هي سيف ذو حدين ، فهي إما أن تستثمر لصياغة واقع ديناميكي، أو تتحول إلى فجوة تفرغ النص من جوهره ، لذا، فإن ما يمكن ان يواجه هذا القانون هو عملية إدماج داخل المنظومة قد تؤدي إلى تقليص الأثر الإصلاحي المقصود حتى يفقد روحه ويتحول إلى نصوص شكلية.

إن المرحلة لا تحتمل أنصاف الحلول، ولا تقبل بأنصاف الإصلاح ، فإما أن نعيد بناء المنظومة التربوية على أسس عميقة، أو سنبقى ندور في دائرة التحديث الذي لم ينتقل بالكامل إلى مستوى التحول الجوهري ، فمسؤولية المرحلة تفرض علينا قول ما يجب قوله بوضوح.

ختاماً، إن هذا القانون سيبقى "أمانة الأجيال" في أعناقنا، ووثيقة تسمو فوق المصالح اللحظية ، فالعبرة ليست في جودة الصياغة، بل في "شجاعة التطبيق".

ولن يسأل التاريخ: ماذا كتبنا؟ بل سيسأل بصرامة: ماذا غيرنا؟
والله ولي التوفيق.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :