مفهوم الإخصاء في نظرية الأمن الإسرائيلي في المنطقة
م. مروان الفاعوري
14-04-2026 12:16 PM
لم تعد نظرية الأمن الإسرائيلية تقف عند حدود الردع التقليدي أو الحسم العسكري السريع كما عُرفت لعقود، بل أخذت تتطور نحو مقاربات أكثر تركيبًا، يمكن وصفها – في الأدبيات التحليلية – بمفهوم “الإخصاء الاستراتيجي”. وهو مفهوم لا يُستخدم في الخطاب الإسرائيلي الرسمي، لكنه يعكس بوضوح طبيعة الممارسة على الأرض: تحييد الخصم، لا القضاء عليه؛ وإبقاؤه ضعيفًا، لا إنهاء وجوده.
هذه المقاربة تعكس تحولًا عميقًا في فهم الصراع؛ فبدل البحث عن نهاية حاسمة، بات الهدف هو إدارة الصراع عبر التحكم بمستوى التهديد. وهنا لا تسعى إسرائيل إلى الانتصار النهائي، بل إلى ضمان أن الطرف الآخر لن يمتلك القدرة على فرض معادلة ردع مضادة.
في هذا السياق، تتكامل أدوات متعددة لتحقيق هذا “الإخصاء”:
ضربات عسكرية دورية، استهداف القيادات، تدمير البنى التحتية، حصار اقتصادي، وحرب نفسية تستهدف الروح المعنوية للمجتمعات. إنها عملية مستمرة من الاستنزاف المنهجي، لا تترك للخصم فرصة لإعادة بناء ذاته أو استعادة توازنه.
لكن الخطورة في هذه المقاربة لا تكمن فقط في آثارها المباشرة، بل في ما تُنتجه من واقع دائم من عدم الاستقرار. فالإبقاء على خصم ضعيف، دون معالجة جذور الصراع، يعني بالضرورة إعادة إنتاج الأزمات بشكل دوري، وربما بشكل أكثر تعقيدًا.
إن هذه الاستراتيجية، وإن بدت ناجحة على المستوى التكتيكي، إلا أنها تحمل في طياتها وصفات أمنية تسعى إسرائيل إلى فرضها بشكل مباشر أو غير مباشر أو من خلال الضغوط الأمريكية على دول المنطقة بحيث تشمل سقوف الحريات والتعبير وأشكال العمل السياسي المناسبة وتحول دون أية نجاحات اقتصادية أو تجارب إبداعية واختراعات ومشاريع تنمية في الغلاف المحيط بدولة الصهاينة لكي تُبقي الشعوب تحت ضغط دائم، وتُضعف فرص الحلول السياسية، وتُعزز منطق القوة على حساب العدالة، الأمر الذي قد يؤدي إلى انفجارات غير محسوبة في المستقبل.
إن التحدي الحقيقي أمام المنطقة اليوم لا يكمن في فهم هذه الاستراتيجية فحسب، بل في بناء مقاربات مضادة تتجاوز ردود الفعل، وتؤسس لبيئة إقليمية قادرة على كسر دائرة الاستنزاف. فالأمن الحقيقي لا يتحقق بإضعاف الآخر، بل بإقامة توازن عادل ومستقر يضمن كرامة الشعوب وحقوقها.
وفي ظل التحولات الجارية، تبقى الحاجة ملحة إلى خطاب عقلاني ومسؤول، يدعو إلى الخروج من منطق “إدارة الصراع” إلى أفق “حل الصراع”، وهو أفق لا يمكن أن يتحقق إلا بإرادة سياسية جادة، ورؤية إنسانية شاملة.
إن هذه الاستراتيجية ستؤدي وفق مفهوم الأمن الإسرائيلي إلى تكريس حالة عدم الاستقرار وذلك في إطالة أمد الصراعات وإضعاف فرص الحلول السياسية واستثمار فائض القوة لدى دولة الاحتلال في فرض واقع جديد وزيادة احتمالات الانفجار المفاجئ في الأقطار المحيطة.
يبدو أن أمام الدول العربية تحديات عميقة ذات أثر كبير ومنها غياب استراتيجية إقليمية موحدة والاعتماد على ردود الفعل بدل المبادرة وضعف التكامل السياسي والأمني ومحدودية الأدوات الاقتصادية والإعلامية الفاعلة والتأثير الأمريكي الواضح في السياسات والقرارات.
وعليه، فلا بد للدول العربية من: المبادرة الى بناء مقاربة عربية تكاملية وتنسيق المواقف السياسية وتعزيز العمل العربي المشترك ودعم مشاريع المقاومة وعدم التفريط بهذه الورقة الضاغطة، كما عليها تعزيز الصمود المجتمعي ودعم الاقتصاد المحلي وتقوية المؤسسات الوطنية وبناء توافقات وطنية وتطوير أدوات الردع غير التقليدية بالإعلام الاستراتيجي والقوة الناعمة ودعم القوى الوطنية والشبابية واطلاق الحريات وإنشاء حلف عسكري عربي يدافع عن مصالح هذه الدول والاستثمار في الاستقرار طويل الأمد بما يحقق الرفاه لجميع أبناء المنطقة في معالجة جذور الصراع وتعزيز التنمية والعدالة وبناء المصالحات الداخلية بين المجتمعات والقوى والحركات والأنظمة.
إن استراتيجية “الإخصاء” تمثل تحولًا نوعيًا في إدارة الصراع لدولة الإحتلال، لكنها لن تقدم حلًا مستدامًا. وعليه، فإن مواجهة هذه المقاربة تتطلب رؤية عربية شاملة تتجاوز ردود الفعل، وتؤسس لأمن إقليمي قائم على العدالة والاستقرار، لا على الاستنزاف وإدامة الأزمات والمعالجات اليومية الجزئية.