هذه الأيام، وفي ظل الأجواء المشحونة، والأخبار التي لا تهدأ، وحالة عدم اليقين التي تُخيّم على المنطقة… نُصبح أكثر حاجة لشيء مختلف. لا نحتاج تحليلًا إضافيًا، ولا قراءة سياسية جديدة، بقدر ما نحتاج لحظة إنسانية بسيطة… قصة تُعيد لنا التوازن، وتُذكّرنا أن في هذا العالم مساحات ما زالت صادقة.
وهذا تمامًا ما فعله سمير الحياري في برنامج “المسافة صفر”، حين لم يقدّم مجرد لقاء عابر، بل فتح نافذة على تجربة إنسانية ثرية، من خلال استضافته للدكتور أحمد الشقران… تجربة تتجاوز السيرة، لتلامس المعنى.
نحتاج… إلى من ما زال يعشق،
من ما زال يطرب حين يسمع أغنية "يا بيرقنا العالي،
من يرى في الوطن شعورًا لا شعارًا، وانتماءً لا مناسبة.
نحتاج أن نسمع عن نجاحٍ لم يُبنَ على ضجيج،
وعن رحلة لم تبدأ من الضوء… بل وصلت إليه.
نحتاج… إلى من ما زال يعشق،
من ما زال يطرب حين يسمع أغنية على علم بلاده،
من يرى في الوطن شعورًا لا شعارًا، وانتماءً لا مناسبة.
نحتاج أن نسمع عن نجاحٍ لم يُبنَ على ضجيج،
وعن رحلة لم تبدأ من الضوء… بل وصلت إليه.
في زمنٍ تتداخل فيه الأدوار وتتشابك فيه المصالح، نادرًا ما تظهر شخصية قادرة على العبور بين العوالم المختلفة دون أن تفقد بوصلتها. لكن الدكتور أحمد الشقران يقدّم نموذجًا مغايرًا؛ نموذج “العابر للقطاعات”، لا بوصفه تعدد أدوار، بل بوصفه وحدة رؤية.
القصة لا تبدأ من البرلمان… بل من قرار صغير.
شاب تخرج حديثًا، لم ينتظر دوره في طابور الوظيفة، ولم يُعلّق مستقبله على قائمة انتظار طويلة. اختار أن يبدأ… رغم قلة الإمكانيات، ورغم ضيق السوق، ورغم كل ما يُقال عادةً لمن يخرج عن المسار التقليدي.
فتح عيادته… ليس فقط ليعمل، بل ليبني استقلاله.
وهنا الفرق.
بعض القرارات تبدو صغيرة في لحظتها، لكنها ترسم مسارًا كاملًا. لأن الاستقلال الذي يبدأ مهنيًا… ينتهي موقفًا.
حين انتقل إلى دبي، لم يكن يبحث عن فرصة فقط، بل عن بيئة تُكافئ الاجتهاد، وتفتح المجال للتوسع. وهناك، تحولت الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى علامة، والعلامة إلى حضور.
لكن الأهم… أن النجاح لم يُغيّره.
لم يتحول إلى رقم، ولا إلى اسم يبحث عن موقع. بل ظل يحتفظ بذلك الخيط الهادئ الذي يربطه بالبداية: أن القيمة ليست بما تملك… بل بما تستطيع أن ترفضه.
وهنا تظهر الصورة الأوضح.
حين يدخل العمل العام، يدخل مختلفًا. لا يبحث عن منصب، لأنه لا يحتاجه. ولا يساوم على موقف، لأنه لا يخاف فقدان شيء. هذه المعادلة نادرة… لكنها حاسمة.
في ملف الفوسفات، لم يكن مجرد نائب يُدير تحقيقًا، بل كان صوتًا يُحاول أن يُعيد تعريف المعنى… معنى الرقابة، والجرأة، والمسؤولية.
وحين "بكى" في البرلمان… وأبكانا،
لم يكن ذلك انكسارًا،
بل كانت لحظة إنسان.
لحظة تحوّلت فيها الدموع من مشهدٍ عابر… إلى ذاكرةٍ وطنية،
وأصبحت غالية في قلوب جميع الأردنيين.
في زمنٍ اعتدنا فيه على الخطاب الجاف، جاءت تلك اللحظة لتقول إن السياسة ليست أرقامًا فقط، بل مشاعر أيضًا. وأن "الوطن" لا يُدافع عنه بالعقل وحده… بل بالقلب كذلك.
ربما لهذا نحتاج مثل هذه القصص اليوم.
ليس لأنها مثالية، بل لأنها حقيقية. لأنها تُذكّرنا أن الطريق ليس واحدًا، وأن النجاح لا يُقاس فقط بما نصل إليه، بل بما نحافظ عليه ونحن في الطريق.
في خضم هذا الضجيج… نحتاج أن نسمع شيئًا يُشبهنا.
شيئًا يقول لنا ببساطة:
يمكنك أن تنجح… دون أن تخسر نفسك.