facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نزيف لا يُرى: الأردن يفقد أهم ثرواته دون ضجيج


أ. د. هاني الضمور
15-04-2026 09:42 AM

هجرة العقول تتحول من ظاهرة فردية إلى أزمة تهدد مستقبل الدولة بصمت

في الوقت الذي تنشغل فيه الحكومات عادة بالأرقام الكلية ومؤشرات النمو الاقتصادي، هناك خطر حقيقي يتسلل بهدوء داخل المجتمع الأردني، دون أن يُمنح ما يستحقه من الانتباه: هجرة الكفاءات والعقول الشابة. هذه الظاهرة لم تعد مجرد رغبة فردية لتحسين مستوى المعيشة، بل تحولت تدريجيًا إلى اتجاه عام بين الشباب، خاصة خريجي الجامعات وأصحاب المهارات العالية، حتى أصبحت أقرب إلى “خطة حياة” لدى شريحة واسعة منهم.

تشير تقارير صادرة عن دائرة الإحصاءات العامة الأردنية إلى استمرار ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب، خصوصًا ضمن الفئة العمرية من 20 إلى 29 عامًا، وهي الفئة الأكثر قدرة على الإنتاج والبناء. لكن الأرقام، رغم أهميتها، لا تكشف كامل الصورة. فالمشكلة لم تعد فقط في غياب الوظيفة، بل في غياب الإحساس بوجود فرصة حقيقية داخل الوطن. هذا الشعور يتعزز مع ما تُظهره بيانات البنك الدولي، التي تؤكد أن التحدي في الأردن لا يقتصر على خلق فرص عمل، بل يمتد إلى ضعف جودة هذه الفرص وعدم توافقها مع مؤهلات الخريجين، ما يؤدي إلى فجوة واضحة بين التعليم وسوق العمل.

الأخطر من ذلك هو ما لا يظهر بشكل مباشر في التقارير، وهو التحول النفسي العميق لدى الشباب. فعدد متزايد منهم لم يعد يرى مستقبله داخل الأردن أصلًا، بل ينظر إلى البقاء كخيار مؤقت، إلى حين توفر فرصة للمغادرة. ووفقًا لمؤشرات الهجرة العالمية الصادرة عن منظمة الهجرة الدولية، فإن الدول التي تعاني من هذا النوع من الاختلالات، خصوصًا عند تزامنها مع ارتفاع تكاليف المعيشة وضغط الحياة اليومية، تشهد تسارعًا في هجرة الكفاءات، وهو ما ينطبق بوضوح على الحالة الأردنية.

تكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تتعلق فقط بعدد من يغادر، بل بطبيعة من يغادر. فالأردن لا يخسر أعدادًا عادية من الشباب، بل يفقد تدريجيًا أطباء ومهندسين ومبرمجين وأصحاب مهارات نوعية، أي الفئة التي يُفترض أن تقود الاقتصاد نحو التطور. هذا النزيف الصامت يعني أن الدولة تستثمر لسنوات في تعليم وتأهيل هذه الكفاءات، لتجد نفسها في النهاية تخسرها لصالح أسواق عمل خارجية تستفيد من جاهزيتها دون أن تتحمل كلفة إعدادها.

ومع مرور الوقت، يتحول هذا الواقع إلى نمط تفكير جماعي يتغلغل في وعي المجتمع. الطالب الجامعي يبدأ بالتفكير في الهجرة قبل أن يتخرج، والموظف يعيش في حالة بحث دائم عن فرصة خارجية، حتى لو كانت أقل من مؤهلاته، والعائلة نفسها باتت ترى في السفر حلًا منطقيًا وليس خيارًا استثنائيًا. هذه الحالة ليست طبيعية، بل تعكس خللًا عميقًا في العلاقة بين المواطن ووطنه، حيث يتراجع الشعور بالانتماء العملي القائم على الفرص والاستقرار، ويحل محله منطق “البحث عن النجاة الفردية”.

خطورة هذا النزيف لا تظهر بشكل فوري، بل تتراكم بصمت. فعندما تفقد الدولة كوادرها المؤهلة تدريجيًا، تبدأ آثار ذلك بالظهور في تراجع جودة الخدمات، وضعف الإنتاجية، وتراجع القدرة على الابتكار. ومع مرور السنوات، تصبح الفجوة في الكفاءات أكبر من أن تُعالج بسهولة، ما يضعف قدرة الاقتصاد على المنافسة ويجعل الاعتماد على الخارج خيارًا شبه إجباري بدل أن يكون تكميليًا.

الأصعب من ذلك أن هذه الأزمة، رغم وضوح مؤشراتها، لا تزال لا تُعامل بالحجم الذي تستحقه. وكأنها ظاهرة طبيعية أو نتيجة حتمية، بينما هي في الحقيقة أزمة مركبة تتطلب تدخلًا عميقًا يبدأ من إعادة النظر في مخرجات التعليم، ويمتد إلى تحسين بيئة العمل، وضمان حد أدنى من العدالة في الفرص، وصولًا إلى خلق مسارات واضحة تمكّن الشباب من بناء مستقبلهم داخل وطنهم.

إن استمرار هذا الواقع يعني أن الأردن يسير نحو مرحلة يصبح فيها فقدان الكفاءات أمرًا اعتياديًا، وهو أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة تعتمد في قوتها على رأس مالها البشري. فالدول لا تُبنى فقط بالموارد، بل بالإنسان القادر على استثمار هذه الموارد وتحويلها إلى إنجازات.

في النهاية، لا تكمن المشكلة في رغبة الشباب في تحسين حياتهم، فهذا حق مشروع، بل في أن الوطن لم يعد قادرًا على إقناعهم بالبقاء. وإذا لم يتم التعامل مع هذه القضية بجدية الآن، فإن السؤال الذي سيطرح نفسه في المستقبل لن يكون لماذا يهاجر الشباب، بل من سيبقى ليصنع المستقبل، إذا كان أفضل من فيه قد اختار الرحيل.

الأخطر ليس أن يغادر الشباب بحثًا عن فرصة، بل أن يصبح الوطن غير قادر على إقناعهم بالبقاء؛ فحين تتحول الهجرة إلى القاعدة، لا نخسر أفرادًا فقط، بل نخسر ملامح المستقبل نفسه.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :